سلسلة هل تعلم؟  رمضان الخير  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 هل تعلمُ أنَّهُ لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجّلوا الفِطرَ ؟ 








 هل تعلمُ أنَّهُ لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجّلوا الفِطرَ ؟


الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ وصلواتُ اللهِ البرِّ الرحيمِ والملائكةِ المقربينَ على سيدِنا محمدٍ أشرفِ المرسلينَ.
أما بعدُ فقد امتنَّ اللهُ جلَّ جلالُهُ على عبادِهِ بمواسمِ الخيراتِ، ففيها تُضاعفُ الحسناتُ، وتُمحى السيئاتُ، وتُرفعُ الدرجاتُ ويُعتِقُ اللهُ كُلَّ ليلةٍ فيهِ مِنَ النَّارِ مَنْ شَاءَ مِنْ عبادِهِ المسلمينَ العُصَاةِ، فَجِدُّوا في الطاعَاتِ عَلَّكُمْ تَكونُوا مِنْ عُتَقَاءِ هَذَا الشهرِ المبارَكِ. واعلَمُوا أَنَّهُ يُستحبُّ في الصيامِ أشياءُ منها: تعجيلُ الفطرِ إذا تحقَّقَ غروبُ الشمسِ وذلكَ لحديثِ البخاريِّ ومسلمٍ عن سهلِ بنِ سعدٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: "لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجّلوا الفِطرَ".

ومعنى الحديثِ أنَّهُ لا يزالُ أمرُ الأمةِ مُنتظمًا وهو بخيرٍ ما داموا محافظينَ على هذه السنَّةِ، ولحديثِ الترمذيِّ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ عنِ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: "أَحبُّ عبادي إليَّ أعجلُهم فِطرًا".
وغروبُ الشمسِ يُعرفُ بمغيبِ قرصِ الشمسِ كلِّهِ فإن لم يستطعْ رؤيةَ غروبِ الشمسِ فلينظرْ إلى المشرقِ، فإنْ أقبلَ الظلامُ مِنَ المشرقِ عَرَفَ بذلكَ دخولَ وقتِ المغربِ، فقد قالَ الرسولُ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: "إذا غربتِ الشمسُ مِنْ ها هنا_يعني مِنَ المغربِ_ وأقبلَ الظلامُ مِنْ ها هنا_يعني مِنَ المشرقِ_ فقد أفطرَ الصائمُ" معناهُ ما دامَ قرصُ الشمسِ قد غابَ حلَّ الإفطارُ وإنْ كانَ يظهرُ مِنْ جهةِ المشرقِ أثرُ الشمسِ هذا لا يمنعُ الأكلَ والشربَ.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ لِبَعْضِ القَوْمِ: «يَا فُلاَنُ قُمْ فَاجْدَحْ لَنَا» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَوْ أَمْسَيْتَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا،( هذا الرجلُ كان ينظرُ إلى أثرِ الشعاعِ منْ جهةِ المغربِ) قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، اجدَحْ لنا اخلِطْ لنا هذا السَّوِيقَ بالماءِ لنُفطرَ بهِ، السَّويقُ هو الشعيرُ يُحَمَّصُ ثم يُطْحَنُ، هذا يُتخذُ زادًا، أما في السفرِ فيُبلُّ بالماءِ ويُشربُ، فهذا يُبَرِّدُ ويُذهبُ العطشَ ويكسِرُ الجوعَ، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ، فَشَرِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: « إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ ». معناهُ الآنَ جاءَ الظلامُ مِنَ المشرقِ فلا تنظُرْ إلى أثرِ ضوءِ الشمسِ الذي بقيَ، هذا لا يمنعُ حِلَّ الإفطارِ، فمَتَى تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ حَلَّ الْفِطْرُ.

والإفطارُ هو أن يتناولَ الصائمُ شيئًا كالأكلِ والشرابِ ويسمى الفُطورَ قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "إنَّا معشرَ الأنبياءِ أُمرنا بتأخيرِ السُّحورِ وتعجيلِ الفُطورِ وأن نضربَ أيمانَنا على شمائِلنا في الصلاةِ" رواهُ الإمامُ احمدُ في مسندِهِ.
فتعجيلُ الإفطارِ فيهِ ثوابٌ وإنْ أخَّرَ ذلكَ فقد خالفَ السنةَ. ولمشروعيةِ تعجيلِ الفطرِ حِكَمٌ مُتعدِّدةٌ منها: المبادرةُ لطاعةِ اللهِ تعالى بالفطرِ كما حصلَتْ طاعتُه بالصومِ، كما أنَّ الأخذَ برخصةِ اللهِ تعالى والتمتُّعَ بما في شريعتهِ من التيسيرِ والتسهيلِ حيثُ لم يُلْزمِ اللهُ تعالى العبادَ بمُواصَلةِ الصيامِ، ولا بزيادةِ وقتهِ عن غروبِ الشمسِ. كذلك التعجيلُ أرفقُ بالصائمِ وأقوى لهُ على مواصَلةِ العبادةِ. فأوصيكُمْ ونَفْسيَ بِطاعةِ اللهِ العليِّ العظيمِ، ومِنْ طاعَةِ اللهِ أنْ نلْتَزِمَ بما جاءَ عَنْ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في السُّنَّةِ المطَهَّرَةِ في الحديثِ الشريفِ، فإنَّ الذي لا يبذُلُ جُهدَهُ في طاعةِ اللهِ في حياتهِ فقد فاتَهُ الخيرُ ويبقى معَهُ الندمُ.
اللهُمَّ مصرّفَ القلوبِ صرّفْ قلوبَنا إلى طاعتِك.