سلسلة هل تعلم؟  هل تعلم؟ - الموسم الثالث  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
  هَلْ تعلم أنّ التسبيحَ عِبادَةٌ جَلِيلةٌ وطاعَةٌ عَظِيمَةٌ؟ 








  هَلْ تعلم أنّ التسبيحَ عِبادَةٌ جَلِيلةٌ وطاعَةٌ عَظِيمَةٌ؟ - إعداد الشيخ محمد الأخرس


الحمدُ للهِ الذي أعطى ومنعَ وخفضَ ورفعَ والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ خيرِ مَنْ صامَ وركعَ وعلى ءالِهِ وصحبِه ومَنْ سارَ على نهجِهم واتَّبَعَ.

أما بعدُ فإن التسبيحَ عبادةٌ جليلةٌ وطاعةٌ عظيمةٌ وفي الميزانِ ثقيلةٌ، فقد روى البخاريُّ ومُسْلِمٌ والترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجَهْ عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: "كلمتانِ خَفِيفَتانِ على اللسانِ ثقيلتانِ في الميزانِ حبيبتانِ إلى الرحمنِ سبحانَ اللهِ وبحمدِهِ سبحانَ اللهِ العظيمِ" كلماتٌ خفيفةٌ على اللسانِ، لا تُكلِّفُ العبدَ جَهدًا، ولا ينالُه منها مشقةٌ، إلا أنَّ لها ثوابًا عظيمًا، وأجرًا جزيلًا.

وإنما كانَ التسبيحُ مِن أحبِّ الكلامِ إلى اللهِ تباركَ وتعالى؛ لأنه يَدلُّ على التنزيهِ الكاملِ والتعظيمِ البالغِ للهِ جلَّ وعلا، ثبتَ في الصحيحِ من حديثِ أبي ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "أَلا أُخبرُكَ بأحبِّ الكلامِ إلى اللهِ؟" قلتُ: يا رسولَ اللهِ أخبرني بأحبِّ الكلامِ إلى الله، فقالَ: "إنّ أحبَّ الكلامِ إلى اللهِ سبحانَ اللهِ وبحمدِه" رواهُ مسلمٌ في صحيحِهِ.
إنَّ التسبيحَ يُعَدُّ أصلًا عظيمًا وأساسًا متينًا تنبني عليه معرفةُ العبدِ لربِّه جلَّ وعلا، فإن من الأُسس العظيمة التي تُبنى عليها معرفةُ الله تنـزيهَ الربِّ جلَّ وعلا وتقديسَهُ عن كلِّ ما لا يليقُ بهِ وعن النقائصِ وعن مُشابهةِ المخلوقاتِ. ومِنْ رحمةِ اللهِ تباركَ وتعالى بعبادِهِ أن جازاهم على العمل ِالقليلِ الثوابَ العظيمَ، فهو يُجازي على الحسنةِ بخيرٍ منها وذلك بمضاعفتِها إلى أضعافٍ كثيرةٍ، فقد صحَّ عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ "رواهُ مسلمٌ والترمذيُّ وصحَّحَهُ والنسائيُّ. ومن فضائلِ التسبيحِ أنَّهُ يَحُطُّ الخطايا والذنوبَ ويُذهبُها ولو كَثُرَتْ، فقد أخرَجَ البخاريُّ عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ". ومِنْ فَضلِ اللهِ ورحمتِهِ أنَّهُ كُلَّمَا قالَ:"سُبحَانَ اللهِ وبِحَمدِهِ" تُغرَسُ لَهُ شَجَرَةٌ سَاقُهَا مِن ذَهَبٍ، فأينَ المشمرونَ؟
روى الترمذيُّ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهما: عَنِ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ قالَ: "مَنْ قالَ سبحانَ اللهِ العظيمِ وبحمدِهِ غُرِسَتْ لهُ نخلةٌ في الجنةِ" الشَّجَرُ الذي يكونُ في الجنةِ لا يَمُوتُ، يبقَى على الدوامِ. الشَّجرَةُ تعطيهِ ثَمَرَةً لونُهَا لا يَفسُدُ. الذِّكْرُ فيهِ نَفعٌ كبيرٌ للآخرةِ، إذَا وُضِعَ سَوْطٌ على الأرضِ كَمْ يأخذُ؟! مقدارُ سَوْطٍ مِنِ أرضِ الجنةِ خيرٌ مِنَ الدنيا وما فيها.

وأخرَجَ مسلمٌ عن ابنِ عباسٍ عن جُويريةَ أُمِّ المؤمنينَ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خرَجَ مِنْ عندِها بُكرةً حين صلَّى الصُّبحَ وهي في مسجدِها، ثم رجَع بعدَ أن أضْحى وهي جالسةٌ، فقالَ:" ما زِلْتِ على الحالِ التي فارَقْتُكِ عليها؟"، قالت: نعم، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "لقدْ قُلْتُ بعدَكِ أربَعَ كلِماتٍ، ثلاثَ مرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بما قُلْتِ منذُ اليومِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سبحانَ اللهِ وبحمدِهِ، عدَدَ خلْقِهِ ورِضَا نَفْسِهِ وزِنَةَ عَرْشِهِ ومِدَادَ كَلِماتِهِ".
وأخرَجَ الإِمامُ مسلمٌ في "صحيحِهِ" عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ:" لَأَنْ أقولَ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلٰهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، أَحَبُّ إليَّ مما طلَعتْ عليهِ الشمسُ".
ويظهرُ لنا أثَرُ هذه الأذكارِ في تيسيرِ الأمورِ في حديثٍ رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ لما جاءت هذه السيدةُ الكريمةُ فاطمةُ رضيَ اللهُ عنها لَما خدَمَتْ في بيتِ زوجِها سيدِنا عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ، كانَتْ تَكنُسُ وتدقُّ الشعيرَ برَحًى حجريةٍ حتى أثَّرَ ذلكَ في يدِها، فجاءَتْ إلى النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وءالِه وسلَّمَ تطلبُ منهُ أن يُعِينَها بخادِمٍ، قالَ: "ألا أدلُّكِ على ما هو خيرٌ لكِ مِن خادِمٍ؟"، قالت: بلى يا رسولَ اللهِ - قال ذلك لها ولعلي لَمّا زارهما ليلا - قال: "إذا أخذتما مَضاجِعَكمُا، فكبِّرا أربعًا وثلاثينَ، واحْمَدا ثلاثًا وثلاثينَ، وسَبِّحا ثلاثًا وثلاثينَ؛ فذلكَ خيرٌ لكما من خادِمٍ". هنيئًا لمن عرفَ كيفَ يتزوَّدُ مِن هذه الدنيا الزائلةِ الفانيةِ إلى الدارِ الثانيةِ الباقيةِ لأن الله تبارك وتعالى قال: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى}[سورة النساء/77] الآيةَ. لا يُشْبَعُ مِنْ عملِ الآخرةِ، الآخرةُ دارٌ لا نهايةَ لها مهما عَمِلَ الإنسانُ الحسناتِ ذلكَ اليومِ يتمنى أنْ لو عَمِلَ أكثرَ. فاعمَلْ أخي في هذه الحياةِ، أكثِرْ مِنَ التسبيحِ حتى يأتيَ يومُ القيامةِ وصحيفةُ عملِك مَلأَى بِهِ فيصبحُ الميزانُ ثقيلا. إنَّ عزَّ الدنيا وسعادةَ الآخرةِ في طاعةِ اللهِ، ومِنْ شأنِ الطائعِينَ أنهم يُقْبِلُونَ على الطاعاتِ فيَغْتَنِمُون ساعاتِ حياتِهم ليتزودوا منها للدارِ الباقيةِ؛ لأنَّهم عَلِمُوا أنَّ الدنيا مزرعةُ الآخرةِ كما قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيما رواهُ عنهُ الطبرانيُّ. فما أعظمَ رحمةَ اللهِ بخَلْقِهِ.
ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقنا عذابَ النار