سلسلة هل تعلم؟  هل تعلم؟ - الموسم الثالث  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 هل تعلم أنَّ الأنبياءَ لم يُوَرِّثُوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلمَ؟ 








 هل تعلم أنَّ الأنبياءَ لم يُوَرِّثُوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلمَ؟ - إعداد الشيخ محمد الأخرس


هل تعلم أنَّ الأنبياءَ لم يُوَرِّثُوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلمَ؟

الحمدُ للهِ الذي أعزَّنا بالإسلامِ وجعلنا خيرَ أمةٍ أُخْرِجَتْ للناسِ تأمُرُ بالمعروفِ وتنهى عَنِ المنكرِ والصلاةُ والسلامُ على خيرِ الأنامِ نبيِّنا محمدٍ وعلى ءالِهِ وصحبِهِ الطيبينَ الطاهرينَ.
أما بعدُ فلقد رفعَ اللهُ تعالى شأنَ العلمِ وأهلَهُ وبيّنَ مكانَتهم ورفعَ منـزلتَهم فقالَ سبحانَهُ وتعالى: {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة/11]الآية. ولم يأمرِ اللهُ تعالى نبيَّهُ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالاستزادةِ مِنْ شىءٍ إلا مِنَ العلمِ، فقالَ لَهُ سبحانَهُ وتعالى: {وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْمًا} [طه:114]الآية ، وذلكَ لأنَّ العلمَ هو دليلُ النجاحِ دليلُ الفلاحِ هو الذي يدلُّ الشخصَ على ما يُنْجِيهِ مِنَ النكدِ في القبـرِ وفي الآخرةِ.

علمُ الدينِ لا يَستغني عنهُ أحدٌ مهما طالَ عمرُهُ، المؤمنُ لا يَشبَعُ مِنْ علمَ الدينِ مِنَ استماعِهِ وتعليمِهِ وطلبِ الازديادِ منهُ. ولقَدْ مَنَعَ اللهُ سبحانَهُ المساواةَ بينَ العالمِ والجاهلِ، لِمَا يَخْتَصُّ بِهِ العالمُ مِنْ فضيلةِ العلمِ ونورِ المعرفةِ، قال تعالى:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو ٱلاْلْبَـٰبِ} [الزمر:9]الآية. فالعلمُ شرفٌ لا قدرَ لهُ، ولا يجهلُ قدرَ العلمِ وفضلَهُ إلا الجاهلونَ.
ووردَ في الصحيحينِ عنهُ صلى اللهُ عليهِ وسلم أنَّهُ قالَ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدينِ"، فمنطوقُ الحديثِ مَنْ أرادَ اللهُ عزَّ وجلَّ بِهِ خيرًا فَقَّهَهُ في دينِهِ، وأمَّا مفهومُ الحديثِ مَنْ لم يُرِدِ اللهُ بِهِ خيرًا لا يُفَقِّهُهُ في الدينِ. فمهما ملكَ العبدُ من زينةِ الدنيا، ومهما نالَ من مناصبِها ما لم يتعلمْ علمَ الدينِ فإننا نجزمُ بأنَّهُ لم يُرِدِ اللهُ عزَّ وجلَّ بِهِ خيرًا؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لو أرادَ بهِ خيرًا لعلّمَهُ دينَ اللهِ عزَّ وجلَّ. فالدنيا كلُّها لا تساوي عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ جناحَ بعوضةٍ، فاللهُ عزَّ وجلَّ جعلَ الدنيا لمن يُحِبُّ ولمن لا يحبُّ، أما العلمُ النافعُ ُوالفقهُ في دينِ اللهِ عزَّ وجلَّ فهو علامةٌ على محبةِ اللهِ عزَّ وجلَّ للعبدِ، وهو علامةٌ على أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أرادَ بالعبدِ خيرًا.

وقد جاءَ مدحُ العلماءِ في حديثٍ نبويٍّ صحيحٍ، حيثُ جاءَ وصفُهم فيه بأنَّهم ورثةُ الأنبياءِ، قالَ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لم يُوَرِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، إنما وَرَّثُوا العلمَ، فمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحظٍّ وافرٍ" رواهُ أبو داودَ وغيرُه.

العلماءُ وَرِثوا مِنَ الأنبياءِ العلمَ "علمَ الدّينِ"، الأنبياءُ عليهم السلامُ لا يُوَرِّثُونَ الدينارَ والدراهمَ، أقاربُ الأَنبياءِ لا يَرِثونَ ما يتركُهُ الأنبياءُ مِنَ المالِ، مالُهم يذهَبُ إلى بيتِ المالِ. اللهُ حَرّمَ ميراثَ الأنبياءِ لأنَّ بعضَ الأبناءِ مِنْ شدةِ طَمَعِهِم قد يَقْتُلُونَ قريبَهُمُ الذي هو نبيٌّ مِنْ أجلِ المالِ فحتى لا يَطمعَ أحدٌ بموتِهم اللهُ حَرَّمَ مِيراثَهُم.
النبيُّ مِنْ أنبياءِ اللهِ إذا ماتَ لا يُوَرِّثُ المالَ إنما يُوَرِّثَ العلمَ، لذلكَ سيدُنا محمدٌ صلى اللهُ عليه وسلمَ لَما ماتَ أبو بكرٍ ما ورَّثَ أحدًا من أقرباءِ الرسولِ ولا زوجاتِهِ لأنَّ أبا بكرٍ كانَ سمِع الرسولَ وهو يقول:"نحنُ معاشِرَ الأنبياءِ لا نُوَرِّثُ ما تركناهُ صدقةٌ" رواهُ البخاريُّ.
أبو بكر كان سمِع من الرسولِ هذا الحديث، وغيره سمع. لكن فاطمةُ ما سَمِعَتْ مِنْ أَبِيها وهو يَذكُرُ هذه القضيةَ، بعدما ماتَ الرسولُ ذهبَتْ إلى أبي بكرٍ تَطْلُبُ مِيراثَها مِنْ رسولِ اللهِ، فقالَ لها أبو بكرٍ: إنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: "نحنُ معاشِرَ الأنبياءِ لا ُنُوَرِّثُ ما تركناهُ صدقةٌ". كذلك أبو بكرٍ ما وَرَّثَ بنتَهُ عائشةَ مِنْ رسولِ اللهِ، ولا وَرَّثَ واحدةً مِنْ أَزواجِ الرسولِ عليهِ السلامُ ولا وَرَّثَ عمَّهُ العبّاسَ رضيَ اللهُ عنهُ.
الرسولُ عندَ وفاتِهِ لم يتركْ ولدًا ذكرًا، أولادُهُ الذكورُ كانوا ثلاثةً "القاسمُ والطيبُ والطاهرُ" كلُّهم ماتوا قبلَ الرسولِ، كلُّهم ماتوا قبلَ البلوغِ. هؤلاءِ الثلاثةُ ماتوا في حياةِ الرسولِ، كذلكَ بناتُهُ رقيَّةُ وأم ُّكلثومٍ وزينبُ مِتْـنَ في حياةِ رسولِ اللهِ. بَقِيَتْ فاطمةُ وحدَها، عاشَتْ بعدَ الرسولِ ستةَ أشهرٍ، ثُم تُوُفِّيَتْ. فلو كانَ الرسولُ كغيرِهِ مِنَ الناسِ كانَ عمُّ الرسولِ العباسِ يأخذُ ما فضلَ عن نصفِ فاطمةَ وثُمُنِ أزواجِ الرسولِ، لكنَّ أبا بكرٍ بما أنَّه سمِعَ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: "نحنُ معاشِرَ الأنبياءِ لا نُوَرِّثُ ما تَركناهُ صدقةٌ"، ما وَرَّثَ أَحدًا.

ويشهدُ لذلكَ ما رواهُ الطبرانيُّ بإسنادٍ حسنٍ عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه أنَّهُ مرَّ بسوقِ المدينةِ فوقفَ فقالَ: "يا أهلَ السوقِ ما أعجزَكُمْ قالوا: وما ذاكَ يا أبا هريرةَ؟ قال: ذاكَ ميراثُ النبيِّ يُقْسَمُ وأنتم هاهنا ألا تذهبونَ فتأخذونَ نصيبَكم منهُ، قالوا: وأينَ هو؟ قالَ: في المسجدِ فخرجوا سراعًا، ووقفَ أبو هريرةَ لم يَبْرحْ مكانَهُ حتى رجعوا، فقالَ لهم: ما لكم؟ فقالوا :قد أتينا المسجدَ فدخلنا فيه فلم نرَ شيئًا يُقْسَمُ فقالَ لهم أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنه: وما رأيتم في المسجدِ أحدًا؟ قالوا:بلى، رأينا قومًا يُصلُّونَ، وقومًا يقرءونَ القرءانَ وقومًا يتذاكرونَ الحلالَ والحرامَ، فقالَ لهم أبو هريرة: ويْحَكُمْ فذاكَ ميراثُ محمدٍ، وهو يُشيرَ بذلكَ إلى قولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ:" إنَّ العلماءَ ورثةُ الأَنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُوَرِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما وَرَّثُوا العلمَ فمَنْ أخذَهُ أَخَذَ بحظٍّ وافرٍ".
اللَّهمَّ عَلِّمنَا ما جهِلنا وذكّرنا ما نسينا وزِدنا عِلمًا ونعوذُ بكَ منِ حالِ أهلِ النار.