سلسلة هل تعلم؟  هل تعلم؟ - الموسم الثالث  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 مكارم الأخلاق 








 مكارم الأخلاق


مكارِم الأخلاق والدعوة إليها

أما بعدُ فإِنَّ مِنْ أهمِّ مقاصدِ بعثةِ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ إلى الناسِ كافةً هو تتميمَ مكارِمِ الأخلاقِ والدعوةَ إليها، فقد روى البَيهقيُّ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ: "إنَّما بُعِثْتُ" -بينَ المؤمنينَ- "لأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأَخلاقِ" أي محاسِنَها.

إنَّ حُسْنَ الخُلُقِ جامِعٌ لأبوابِ الخيرِ ومِفْتاحٌ لسبلِ البِرِّ، مَنْ وفّقَهُ اللهُ إليهِ فقد حازَ فضلًا عظيمًا وسبقَ سبقًا كبيرًا وقد أعظمَ اللهُ منـزلتَهُ، فعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: "إن الـمُؤمنَ ليُدرِكُ بحُسنِ خُلُقِهِ درجةَ الصائِمِ القائِمِ" رواهُ أبو داودَ.

وعن أبي الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلمَ قالَ:" ما مِنْ شىءٍ أثقلُ في ميزان ِالعبدِ المؤمنِ يومَ القيامةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وإنَّ اللهَ يُبغِضُ الفاحِشَ البَذِيءَ" رواهُ الترمذيُّ وقالَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد أمَرَ اللهُ تعالى في كتابِهِ العظيمِ بكلِّ خُلُقٍ كريمٍ، ونَهَى عن كلِّ خُلُقٍ ذمِيم، يقولُ اللهُ تعالى في القرءانِ الكريمِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(90)} [سورة النحل] وهذه ءايةٌ جامعةٌ لكلِّ خُلُقٍ كريمٍ، ناهيةٌ عن كل خُلُقٍ ذَميمٍ.

الخُلُقُ الحَسَنُ بركةٌ على صاحبِهِ وعلى مُجتمعِهِ، وخَيرٌ ونَمَاءٌ، ورِفْعَةٌ عندَ اللهِ، وسَنَاءٌ ومَحبةٌ في قلوبِ الخَلقِ، وطُمأنينةٌ وانشراحٌ في الصدورِ، وتيسيرٌ في الأمورِ، وذِكرٌ حَسنٌ في الدنيا، وحُسْنُ عاقبةٍ في الأُخرى.
وقد خَصَّ اللهُ جلَّ وعلا نبيَّهُ محمدًا صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بآيةٍ جمعَتْ لَهُ محامدَ الأخلاقِ ومحاسنَ الآدابِ فقالَ جلَّ وعلا في القرءانِ الكريمِ: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [سورة القلم ]، وكفَى باللهِ شهيدًا.
وعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّها سُئِلَت عن خُلُقِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَّ فقالت: "كَانَ خُلُقَهُ الْقُرْءَانُ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. كما حثَّ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على حُسْنِ الخُلُقِ والتمسُّكِ بِهِ، والجمعِ بينَ التقوى وَحُسْنِ الخُلُقِ. فقد روى الترمذيُّ أنَّهُ عليه الصلاةُ والسلامُ قالَ: "أكثرُ ما يُدْخِلُ الناسَ الجنةَ تقوى اللهِ وحُسْنُ الخُلُقِ".
فقد جمعَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَ تقوى اللهِ وحُسْنِ الخُلُقِ؛ لأنَّهُ بتقوى اللهِ يَصْلُحُ ما بينَ العبدِ وبينَ ربِّهِ وبحُسْنِ الخُلُقِ يَصْلُحُ ما بينَهُ وبينَ خَلقِهِ. فتقوى اللهِ تُوجِبُ لَهُ محبةَ اللهِ وحُسْنُ الخُلُقِ يدعُو الناسَ إلى محبتِهِ.

فتأسُّوا معشرَ المسلمينَ بنبيِّكم صلى اللهُ عليه وسلَّم في التمسُّكِ بدينِهِ القيِّمِ، والعملِ بشريعتِهِ الغرَّاءِ، والتَّخلُّقِ بأخلاقِهِ الكريمةِ، بقدر ما يُوفِّقُكُم اللهُ لذلكَ، قالَ اللهُ تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)} [سورة ءال عمران].
واقتَدُوا بمَنْ سبقَكُم مِنَ المؤمنينَ الذينَ اتَّصَفُوا بمكارمِ الأخلاقِ، وشهِدَ لهم بذلكَ الرحمنُ الرحيمُ في مثلِ قولِ اللهِ تباركَ وتعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ} [سورة ءال عمران: 110] الآية فهم خيرُ الناسِ للناسِ.
ويدلُّ على ذلكَ قولُهُ تباركَ وتعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا (23)} [سورة الأحزاب].
الخُلُقُ الحَسَنُ مِنْ أَفْضَلِ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ المسلمُ ويُتَعَبَّدُ اللهُ بِهِ، فهو حليةُ أقوالِهِ وأَعمالِهِ، وذُخرُهُ في عاقبتِهِ ومآلِهِ. ولَئِنْ كانَ هناكَ مِنَ الأخلاقِ ما يَتطلَّبُ مُجَاهَدَةً للنفسِ وصبرًا على الضُّرِّ، فإنَّ الكثيرَ منها هيِّنٌ على النفوسِ وشفاءٌ لها. بَيدَ أنَّ غفلةَ الناسِ عَنْ تلكَ الأخلاقِ واقعةٌ. فيا طالبَ الفضائلِ، وقفةً مع هذه الأخلاقِ النبيلةِ، التي من اتَّصَفَ بها استحقَّ أنْ يكونَ في مكانٍ رفيعٍ عندَ اللهِ تعالى، وفي قلوبِ الخلقِ.

اللهمَّ ارزُقْنَا حُسْنَ الاقْتِدَاءِ بالأنْبياءِ والأوْلياءِ والصَّالِحينَ، اللهُمَّ كما حسَّنْتَ خَلْقَنَا فَحَسِّنْ خُلُقَنَا يا ذا الجلال والإكرام