سلسلة هل تعلم؟  هل تعلم؟ - الحج  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 هل تعلم أنَّ لشعائرِ الحجِّ حِكَمًا عَظِيمةً؟ 








 هل تعلم أنَّ لشعائرِ الحجِّ حِكَمًا عَظِيمةً؟


الحمدُ للهِ الذِي فتحَ لنَا أبوابَ الخيرِ والهدَى، وجعلَهَا لا تُعدُّ ولا تُحصَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، أهلُ التقوَى وأهلُ المغفرةِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ المجتبَى، اللهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ علَى سيِّدِنَا محمدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدين.

أما بعدُ فإنَّ لشعائرِ الحجِّ والمشاهدِ والمواقفِ التي يقومُ بها الحاجُ أثناءَ أداءِ مناسكِ الحجِّ حكمًا عظيمةً وعبرًا جليلةً فتعالَوْا معًا لنأخذَ منها العِبَرَ والحِكَمَ...

ففي الوقوفِ بعرفةَ حكمةٌ عظيمةٌ وذكرى جليلةٌ فعندما ترى الحجاجَ بالآلافِ فوقَ عرفاتٍ يتذكرُ يومَ القيامةِ وما فيهِ مِنْ مواقفَ عظيمةٍ، فالحاجُّ يرى شدةَ ازدحامِ الناسِ على جبلِ عرفةَ ويَسْمَعُ ارتفاعَ أصواتِهم بالدعاءِ للهِ الملكِ الدَّيَّانِ، مُتذللينَ خاشعينَ يرجُونَ رحمتَهُ ويخافُونَ عذابَهُ، يدعُونَ اللهَ خالقَهم ومالِكَهم وهُم على لُغاتٍ شتّى وَألوانٍ وأَحوالٍ مختلفةٍ، كلُّ هذا يُذكِّرُهُ بيومِ القِيامةِ عندَما يَنفُخُ إسرافِيلُ عليهِ السلامُ بالصُّورِ وتنشقُّ القبورُ ويَخرُج الناسُ مِنْ قبورِهم أَفواجًا وهُمْ على ثلاثةِ أصنافٍ وأقسامٍ قسمٌ طاعِمُونَ كاسُونَ راكِبُونَ وهُمُ المسلمونَ الأتقياءُ الذينَ أدَّوُا الواجباتِ واجتنبوا المحرماتِ، وقسمٌ يكونونَ حُفاةً عُراةً وهُم المسلمونَ العُصاةُ أصحابُ الذنوبِ الكبائرِ.. وقِسمٌ يُحشرونَ ويُجرونَ على وجوهِهم إِهانةً لهم وهم غيرُ المؤمنينَ يقولُ اللهُ تعالى: {يَومَئِذٍ يصدرُ الناسُ أشتاتًا لِيُرَوْا أَعمالَهُم، فمَنْ يَعملْ مثقالَ ذرةٍ خيرًا يرَهُ، ومَنْ يَعملْ مِثقالَ ذرةٍ شرًا يرَهُ}.

وفي السعيِ بينَ الصفا والمروةِ حكمةٌ عَظِيمةٌ ورمزٌ لإحياءِ أَثَرٍ مِنَ الآثارِ القديمةِ المباركةِ، ففي هذا المكانِ كانت هاجرُ أمُّ إسماعيلَ وقد تركَها نبيُّ اللهِ إبراهيمُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ مَعَ ولدِها إسماعيلَ في ذلكَ المكانِ المباركِ مِنْ مكةَ بغيرِ ماءٍ فما زالَتْ تتردَّدُ في هذهِ البقعةِ المباركةِ بحثًا عَنِ الماءِ لها ولابنِها.. بينَ الصفا والمروةِ متوكلةً على اللهِ حتى كشفَ اللهُ كربتَها وفرَّجَ شِدَّتَها وَأخرجَ لها ماءَ زمزمَ الطيبَ المباركَ، يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}.

وأما رميُّ الجِمارِ فلنا فيهِ حكمةٌ عظيمةٌ أيضًا، ففيهِ انقيادٌ وامتثالٌ لأوامرِ اللهِ تعالى حيثُ أمرَ برميِ الجمارِ فعندَ رميِ الجمراتِ يتذكرُ الحاجُّ كيف ظهرَ الشيطانُ لسيدِنا إبراهيمَ ليوسوسَ لهُ عندَ كلِّ واحدةٍ. فرماهُ سيدُنا إبراهيمُ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الحصى كمَا أَمرَهُ اللهُ إهانةً لهُ فنحنُ معاشرَ أمةِ محمدٍ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أُمِرْنَا بهذا الرميِ إحياءً لسنةِ إبراهيمَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، وفي ذلكَ رمزٌ لمخالفةِ الشيطانِ وإهانتِهِ، وكأنَّ الراميَ يقولُ في نفسِهِ للشيطانِ لو ظَهَرْتَ لنا كما ظهرتَ لإبراهيمَ لرميناكَ إهانةً لكَ وليسَتْ هذهِ الأماكنُ إخوةَ الإيمانِ مَسْكَنًا للشيطانِ كما يظُنُّ بعضُ الناسِ.

وإذا ما انتقَلْنا بعدَ ذلكَ لِنَتَحَدَّثَ عَنِ الطوافِ وما فِيهِ مِنْ حكمةٍ عظيمةٍ فنقولُ: إنَّ الطوافَ حولَ الكعبةِ مظهرٌ مِنْ مظاهرِ العبوديةِ للهِ وحدَهُ وامتثالٌ لأمرِهِ، لأنَّهُ هو الذي أَمرَنا بالطوافِ حولَ بيتِهِ المشرّفِ كما أَمَرَنا باستقبالِ القِبلةِ وهيَ الكعبةُ عندَ الصلاةِ. الطوافُ حولَ الكعبةِ امتثالٌ لأمرِ اللهِ الذي أَمرَ بالطوافِ حولَها وَأمرَ بتعظيمِها وجعلَها رمزًا لتوحيدِ قلوبِ المسلمينَ على عبادةِ اللهِ الحيِّ القيومِ. وليسَ الطوافُ حولَ الكعبةِ على معنى أنَّ اللهَ ساكنٌ في الكعبةِ حالٌّ بها، لأنَّ المسلمَ معتقدٌ أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى ليسَ كمثلِهِ شىءٌ، ليسَ ساكنًا في الكعبةِ وليسَ ساكنًا في السماءِ وليسَ مُنْحَلًّا في الَأمكنةِ كلِّها، بل عقيدةُ المسلمِ أنَّ اللهَ الذي خلقَ جميعَ المخلوقاتِ لا يُشبِهُ المخلوقاتِ..لا يُشبِهُ السماءَ والأرضَ ولا يُشْبِهُ الإِنسانَ ولا يُشْبِهُ شيئًا ليسَ هو جسمًا وليسَ هو ضوءًا وليسَ لهُ صورةٌ وهيئةٌ وكيفيةٌ وكلُّ ما خَطَرَ ببالِكَ يا أَخي المسلمَ فاللهُ بخلافِ ذلكَ.

اللّهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا، فاغفرِ اللهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ، ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ،اللّهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ.