سلسلة هل تعلم؟  قصص وحكايات  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 اللهُمَّ لا تُمِتْهُ حتى يَنظُرَ في وجوهِ المومساتِ 








 اللهُمَّ لا تُمِتْهُ حتى يَنظُرَ في وجوهِ المومساتِ


كانَ في أمّةِ عيسى الصالحونَ الصادقونَ الذين استقامُوا بطاعةِ اللهِ وحدَهُ ومنهم جريجٌ رضي الله عنهُ، فقد كانَ جريجٌ من المسلمينَ الذينَ هم على شريعةِ نبيّ اللهِ عيسَى المسيحِ عليه السلامُ، من الذينَ كانُوا يصلُّونَ صلاةَ المسيحِ عيسى عليه السلامُ ويصومُونَ صيامَهُ عليه السلامُ.

كان جريجٌ تقيًا صالحًا وليًا حقيقيًا اتَّبَعَ المسيحَ عيسى عليه السلام اتباعًا كاملًا أدَّى الواجباتِ واجتنبَ الـمحرماتِ. بعدَمَا تَعَلَّمَ ما هو الواجبُ في شريعةِ عيسَى عليهِ السلامُ وما هو الحرامُ في شريعةِ عيسى عليهِ السلامُ وتَـمَسَّكَ بالنوافلِ، زادَ على الفرائضِ، تَـجرَّدَ للعبادةِ، اعتَزَلَ الناسَ خارجَ المدينةِ في مكانٍ مرتفعٍ، بنَى صومعةً من طينٍ ليسَ بناءَ فخفخةٍ، لأنَّ هـمَّهُ الآخرةُ، التجردُ لعبادةِ اللهِ. وكانَ لهُ أمٌّ تأتيهِ من وقتٍ إلى وقتٍ إلى الصومعةِ التي هو اعتَزَلَ فيهَا لعبادةِ اللهِ.

ثم الناسُ أهلُ البلدِ صارُوا يعتقدونَ فيهِ حتى مَلِكُ تلكَ البلادِ صارَ يعتقدُ فيهِ أنهُ من العبادِ الصالحينَ.

وجاءَ في قصتِهِ عليه السلام أن امرأةً زانيةً فاسقةً قالَتْ لبعضِ الفاسدينَ الفاسقينَ: أنا أَفتِنُ جريجًا هذا، فتزينَتْ وتَعَرَّضَتْ لهُ فلم يلتفِتْ إليهَا. صومعتُهُ في مكانٍ مرتفعٍ وهي وقفَتْ بحيثُ يراهَا في مقابلِ بابهِ، فلمّا رءاهَا لم يَهْتَمَّ بِـهَا فقطعَتِ الأملَ في فتنتِهِ، ثم صادفَتْ رجلا راعيًا فتعرضَتْ لهُ فزنَـى بها فحَمَلَتْ منهُ. ثُم لَما ظَهَرَ حَملُهَا قالَتْ هذا من جريجٍ، ثم لَمَّا تأكدوا أنها حاملٌ بأنْ وَضَعَتْ حَملَهَا قالت: هذا الولدُ من جريجٍ، وذهبُوا إلى جريجٍ وبأيديهِم الفؤوسُ ليهدمُوا له صومعتَهُ التي كان يعبدُ اللهَ تعالى فيها. قالوا هذا "الذي كُنَّا نعتقدُ فيه أنهُ وليُ اللهِ يفجُرُ بهذهِ المرأة ويُـحبِلُهَا". أخذُوهُ وربطُوهُ بحبلٍ ووضعُوا في عنقِهِ حبلًا وجرُّوه وطافُوا بهِ بينَ الناسِ إهانةً له وهدمُوا صومعتَهُ بالفؤوسِ. فقال لهُم: "أمهلونِي حتى أصليَ ركعتينِ"، فأمهلُوهُ حتى توضأَ وصلى ركعتَينِ فصلى ركعتين ثم قال للمولودِ الذي ولدتْهُ هذه المرأةُ البغيُّ: "يا غلامُ من أبوكَ"؟ فقال المولودُ: "أبي الراعي". أنطقَ اللهُ تعالى الغلامَ ليُبَرِّئَ عبدَهُ الوليَّ الصالِـحَ جريـجًا. فلما سَـمِعُوا هذه التبرئةَ انكبُوا عليهِ يقبّـِـلونَهُ ويَتَمَسَّحُونَ بهِ، وقالوا له: "نبنِـي لكَ صومعتَكَ من ذهبٍ"، قال: "لا، أعيدُوها كما كانَتْ من طينٍ" فعادوا يَتَمَسَّحُونَ به ويقبّـِـلونَهُ ليرضَى حيثُ رَأَوْا لهُ هذهِ الكرامةَ العظيمةَ وهي أنه أنطَقَ هذا الطفلَ المولودَ بإذنِ اللهِ لتبرئَتِهِ مما اتُّـهِمَ بهِ،. روى هذهِ القصةَ البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحَيْهِمَا.

هو سببُ هذهِ البليةِ التي ابتُلِيَ بها، كانَتْ أمُّهُ جاءَتْ ذاتَ يومٍ وَقَفَتْ تحتُ نادتْهُ يا جريجُ فلم يَرُدَّ عليها، ثلاثَ مراتٍ نادتْهُ يا جريجُ فلم يَرُدَّ عليها في دعوتِـها. فبينما الناسُ يجرونَهُ وقد وضعُوا في رقبتهِ حبلًا ليأخذوهُ إلى مكانٍ مرَّ على مُومِسَاتٍ فضَحِكَ تَذَكَّرَ دعوةَ أمّـِهِ، قالت: "اللهُمَّ لا تُـمِتْهُ حتى ينظرَ في وجوهِ المومساتِ".

اللهم اجعَلْ في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعَلْ في سمعي نورًا، واجعلْ في بصري نورًا، واجعلْ من خلفي نورًا ومن أمامي نورًا، واجعلْ مِن فوقِي نورًا ومِن تَـحتِـي نورًا، اللهم أعطني نورًا.