سلسلة هل تعلم؟  قصص وحكايات  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 كُنْ في الدُنيَا كأنكَّ غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ 








 كُنْ في الدُنيَا كأنكَّ غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ - إعداد الشيخ محمد الأخرس


روي أنَّ عيسى ابنَ مريمَ عليهِ السلامُ صَحِبَهُ رَجُلٌ وقال: يا نبي الله أكونُ معك، فانطلقا فانتهيا إلى شط نهرٍ فجلسا يتغدّيَانِ ومعهما ثلاثةُ أرغفةٍ فأكلا رغيفينِ وبقيَ رغيفٌ فقامَ عيسى عليه السلامُ إلى النهَرِ فشرِب منه ثمَّ رجَعَ فلم يجدِ الرغيفَ فقال للرجل من أَخَذَ الرغيفَ؟ قالَ لا أدري، فانطلقَ ومعه الرجلُ فرأى ظَبيةً “غزالةً” ومعها ولدانِ لها فدعا واحدًا فأتاهُ فذبـَحَهُ واشتوى منه فأكلَ هو وذلك الرجلُ ثم خاطَبَ عيسى عليهِ السلامُ الظبيَ بعد أن ذبـحَهُ وأكلا منه وقال له قم بإذنِ الله عز وجل فقامَ، فقال للرجلِ أسألُكَ بالذي أراكَ هذه الآيةَ من أخذَ الرغيفَ؟ قال لا أدري، فانطلقا حتى انتهيا إلى مَفازَة - فلاة - فجَمَعَ عيسى صلى الله عليه وسلم تُرابًا وكثيبًا - أي رملا - ثم قالَ له كُنْ ذهبًا بإذنِ الله عزَّ وجلَّ، فصارَ ذهبًا، فقَسَّمَهُ ثلاثةَ أقسامٍ فقال ثُلثٌ لي وثلثٌ لك وثلثٌ للذي أخذ الرغيف فقَالَ أنا الذي أَخذتُ الرغيفَ، فقال له سيدُنَا عيسَى عليه السلامُ كلُّهُ لك وفارقَهُ.

فانتهى لهذا الرجلِ الذي أخذَ الذهبَ رجلانِ أرادا أن يأخذَا منه الذهبَ ويقتلاهُ فقالَ لَـهُمَا هو بيننا أثلاثًا فقبِلا ذلك فقال يذهبُ واحدٌ إلى القريةِ حتى يشتريَ لنا طعامًا فذهب واحدٌ واشترى طعامًا وقال في نفسِهِ: "لأي شىءٍ أقاسـمُهما في هذا المالِ؟ أنا أجعلُ في هذا الطعامِ سُـمًّا فأقتلُهما وءاخذُ هذا المالَ جـميعه فجعل في الطعام سـمًّا، وقالا هـما فيما بينَهُمَا لأيّ شىءٍ نـجعلُ له الثلثَ إذا رجع إلينا قتلنَاهُ واقتسَمْنا الـمال نصفين، فلما رجع إليهما قتلاهُ ثم أكلا الطعامَ المسمومَ فماتا، فبقي ذلك الـمالُ بقيَ الذهبُ في المفازةِ “الفلاةِ” وأولئكَ الثلاثةُ قتلَى عندَهُ، فمرّ عليهم عيسى عليه الصلاةُ والسلامُ وهم على تلك الحالِ، فقال لأصحابِهِ: هذهِ الدُّنيا فاحذرُوهَا.

ففي صحيحِ الإمامِ مسلم بنِ الحجاجِ من حديثِ المستوردِ بنِ شدادٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما الدنيا في الآخِرَةِ إلا مثلُ ما يضعُ أحدُكُم إِصبعهُ في اليَّمّ فلينظرْ بما تَرجِعُ". الرسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشَبّهُ الدنيَا بالنسبةِ للآخرةِ كمَنْ يَغمِسُ إصبعَهُ في البحرِ فلينظرْ بـمَا تَرجِعُ. فالدنيَا بالنسبةِ لنعيمِ الآخِرَةِ كما لو غَمَسَ أحدُنَا إصبعَهُ في البحرِ فماذا يكونُ هذا البللُ بالنسبةِ لعظمِ البحرِ؟!