سلسلة هل تعلم؟  قصص وحكايات  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ 








 رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ


أمامَ إصرارِ قومِ لوطٍ على كُفرِهم وطُغيانِهم وانغماسِهِم في المنكراتِ والفواحشِ وعن الإيمانِ بنبيِّ اللهِ لوطٍ عليهِ السلامُ، سألَ لوطٌ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ربَّهُ النصرةَ عليهِم لَمّا أَصروا على كُفرِهم وتمادَوْا في غَيِّهم، قالَ تعالى حكايةً عن نبيِّهِ لوطٍ عليهِ السلامُ: “رَبِّ نَجِّنِي وأَهلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩)”- “سورة الشعراء” وقالَ: “قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي على القَوْمِ المُفْسِدِينَ٣٠” “سورة العنكبوت”.

أرادَ اللهُ تباركَ وتعالى نَصْرَ نَبِيِّهِ لُوطٍ وإهلاكَ أولئكَ الكفارِ الخبثاءِ فأرسلَ اللهُ عزَّ وجلَّ إلى قومِ لوطٍ ملائكةً كِرامًا لإهلاكِهِم وهم جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ ليَقْلِبُوا قُراهُم عالِيَها سافلَها ويُنْـِزلُوا العذابَ بهم وكانت لهم مدائنُ أربعٌ، وكان عددُهُم يزيدُ على أربعِمائةِ ألفٍ.

وكانوا قد جاءوا بصورِ شُبَّانٍ جَمِيلِي الصُّورَةِ اختبارًا مِنَ اللهِ تعالى لقومِ لوطٍ وإقامةً للحجةِ عليهم، ولَما وصلُوا القريةَ عندَ الظهيرةِ جاءوا إلى نبيِّ اللهِ لوطٍ فدخلوا عليهِ في صورةِ شُبَّانٍ مُرْدٍ جَمِيلينَ تُشرِقُ وُجُوهُهُم بنضارةِ الشبابِ والجمالِ ولم يُخبروهُ في البدايةِ بحقيقتِهم، فظنَّ نبيُّ اللهِ لوطٌ أنَّهم ضيوفٌ فرحَّبَ بهم وخَشِيَ إن لم يُضِفْهِم أن يُضِيفَهُمْ غيرُهُ، ولكنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ اغتمَّ مِنْ دخولِهم عليهِ وقتَ الظهيرةِ؛ لأنَّهُ خافَ عليهم من أولئكَ الأشرارِ المجرمينَ، ولا سيما أنَّهم كانوا من حيثُ الصورةُ في منتهى الحسنِ والجمالِ، وخَشِيَ أن يكونَ قد رءاهم واحدٌ مِنْ قومِهِ حينَ دخلوا عليه فيذهبَ ويخبِرَ قومَهُ، لذلكَ أشفقَ نبيُّ اللهِ لوطٌ عليهم وخافَ مِنْ قومِهِ أن يعتدوا عليهم، قالَ اللهُ تباركَ وتعالى: “ولَما جاءَتْ رسلُنا لُوطًا سِيءَ بهم وضاقَ بهِم ذَرْعًا وقالَ هذا يومٌ عَصِيبٌ) ٧٧ (” “سورة هود” أي شديدٌ بلاؤُهُ حيثُ كان يُدْرِكُ خبثَ نفوسِ وفسادَ طويتِهم، وكان قومُهُ عليهِ السلامُ قد اشترطوا عليهِ أن لا يُضَيِّفَ أحدًا، ولكنَّهُ رأى أن استضافةَ مَنْ جاءَهُ أمرٌ لا مَحِيدَ عنهُ خوفًا عليهِم من شرِّ قومِهِ وفسادِهِم وشذوذِهم.

وما إن سَـمِعَ قومُ لوطٍ الخبرَ حتى أَقْبَلُوا مُسْرِعِينَ يُهْرَعُونَ الى بيتِ نبيِّ اللهِ لوطٍ عليهِ السلامُ يُريدُونَ الاعتداءَ على ضيوفِ لوطٍ عليهِ السلامُ، وأخذَ نبيُّ اللهِ لوطٌ يُجادلُ قومَهُ المفسدينَ بالحسنى ويُناقِشُهُمْ باللُّطْفِ واللِّينِ لعلَّ فيهم مَنْ يَرْتَدِعُ عَنْ غَيِّهِ وضلالِهِ، ودَعاهُم عليهِ السلامُ إلى سلوكِ الطريقةِ الشرعيةِ المباحةِ وهي أن يتزوجوا بناتِ القريةِ وأن يكتَفُوا بنسائِهم ولا يعْتَدُوا، ولكنَّ قومَهُ رفضُوا نَصِيحتَهُ، وصارحُوهُ بغرضِهِم السيئِ مِنْ غيرِ استحياءٍ ولا خَجَلٍ.

فلما رأتِ الملائكةُ ما يلقى نبيُّ اللهِ لوطٌ عليهِ السلامُ من كربٍ شديدٍ أخبروهُ بحقِيقِتِهِم وأنَّهُم ليسُوا بَشرًا وإنما هُمْ ملائكةٌ ورسلُ اللهِ قَدِمُوا وجاءوا لإهلاكِ هذه القريةِ بأمرٍ مِنَ اللهَ لأنَّ أهلَها كانوا ظالمينَ بكفرِهم وفسادِهم، يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى إخبارًا عما قالَت الملائكةُ لنبيِّهِ لوطٍ عليهِ السلامُ: “قالوا يا لوطُ إنَّا رسلُ ربِّكَ لن يَصِلُوا إليكَ فأسْرِ بأهلِكَ بقِطْعٍ مِنَ الليلِ ولا يلتفِتْ منكم أحدٌ إلا امرأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُهَا ما أَصابَهُم إنَّ موعدَهمُ الصبحُ أليسَ الصبحُ بقريبٍ(٨١)” “سورة هود”. كما أمروهُ أنْ لا يلتفتَ منهمْ أحدٌ عندَ سماعِ صوتِ العذابِ إذا حَلَّ ونَزَلَ، وأن يكونَ لوطٌ خَلْفَ أهلِه وبناتِهِ يقودُهُم لئلا يتخلفَ منهم أحدٌ وليجِدُّوا في السيرِ ويبعُدُوا عن المدينةِ قبلَ أنْ يُفاجِئَهُمُ الصُّبْحُ موعدُ نزولِ العذابِ. فَجَمَعَ لوطٌ أهلَهُ وبناتَهُ ومواشِيَهُ. ولَما أشرقتِ الشمسُ وقبلَ أن يستيقظَ عمومُ أهلِ المدينةِ جاءَ سيدُنا جبريلُ عليهِ السلامُ الذي وصفَهُ اللهُ تباركَ وتعالى في القرءانِ بقولِهِ: “ذي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العرشِ مَكِينٍ(٢٠)” “سورة التكوير” وأدْخَلَ ريشةً واحدةً مِنْ أجنحتِهِ في قُراهُم ومُدُنِهِم وكانت أربعةً أو خمسةً واقتلعَهُنَّ مِنْ أصلِهِنَّ وقَرارِهِنَّ بمن فيهن مِنْ قومِ لوطٍ الكافرينَ وكانوا كما قيلَ: أربعَمائةِ ألفِ شخصٍ، وما معَهُم مِنَ البهائمِ فرفعَ الجميعَ حتى بلغَ بهِنَّ عَنانَ السماءِ حتى سَمِعَ الملائكةُ الذينَ في السماءِ الأُولى أصواتَ دِيَكَتِهِم ونباحَ كلابِهِم، ثم قلبَها عليهِم فجعَلَ عالِيَها سافلَها؛ أي لم يَرُدَّها كما كانت وإنما ردَّها مَقْلُوبةً بمشيئةِ اللهِ وقدرتِهِ، مِنْ دونِ تعبٍ ولا مَشقةٍ، وأرسلَ عليهِم صيحةً مِنَ السماءَ وأمطرَ عليهِم حِجارةً مِنْ سِجيلٍ، يقولُ اللهُ تعالى: “فأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فجَعَلْنا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)” “سورة الحجر” مُخَطَّطَةً بسوادٍ وبياضٍ كُلٌّ بحجمِ قبضةِ الرجلِ، وعليه اسمُ صاحبهِ الذي سَقَطَ عَلَيْهِ، وجَعَلَتِ الحجارةُ تَتْبَعُ مَنْ خَرَجُوا مِنْ هذهِ المدُنِ منْ أهلِها، ممن كانوا يفعلونَ فعلَهُمُ الخبيثَ مِنْ مسافرينَ ورُعَاةٍ فلم يُفْلِتْ منهم أحدٌ.

وما إن أشرقَتِ الشمسُ حتى كانتِ القرى بمن فيها خرابًا ودمارًا يقولُ تعالى: “وكذلكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)” “سورة هود”.

اللهمّ إنَّا نعوذُ بكَ من فِتنةِ المحيا والممات ومن فتنةِ المسيحِ الدّجال.