سلسلة هل تعلم؟  قصص وحكايات  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 بكَتْ شوقًا منها إلى ولد 








 بكَتْ شوقًا منها إلى ولد - إعداد الشيخ محمد الأخرس


رُوِيَ عن بعضِ أهلِ التفسيرِ أنَّ والدَ السيدةِ مريمَ "عِمْرانَ بنَ ماثَانَ" كان أحدَ أئمةِ المسلمينَ في بني إسرائيلَ، فتزوَّجَ من "حِنّةَ بنتِ فاقوذَ" فولدَتْ لَهُ إيشَاعَ التي تزوجَّها نبيُّ اللهِ "زكريا بنُ بَرْخِيَا" عليهِ السلامُ وقد كان ابنَ عَمِّ أمِّها حِنّةَ، ويعملُ نجارًا.

وكان سيدُنا زكريا قبلَ أن يُبْعَثَ نبيًّا كثيرَ العبادةِ، وقد خلا بيتُ المقدسِ من الأنبياءِ. فبينَما هو في محرابِ جدِّهِ داودَ عليهِ السلامُ وقد انصرفَ من صلاتهِ، هبطَ عليهِ سيدُنا جبريلُ عليهِ السلامُ بوحيِ اللهِ تعالى، وأَعلمَهُ أنَّ اللهَ بعثَهُ نبيًّا إلى بني إسرائيلَ، فخرجَ إلى قومهِ يدعوهُم، مُظْهِرًا المعجزاتِ البيّناتِ الدالّةَ على صدقِهِ في ما يدعو إليهِ مِنَ الحقِّ، فكذَّبَهُ بعضُهم وصدَّقَهُ ءاخرونَ. وأقامَ فيهم يأمرُهم بالمعروفِ وينهاهُم عن المنكرِ، مُتَّخِذًا مِنْ بيتِ المقدسِ مكانًا للتعبُّدِ والدعوةِ إلى اللهِ عَزَّ وجلَّ مع بقيةِ الأحبارِ المسلمينَ.

توالتِ السنواتُ، ولم يُرْزَقْ سيدُنا زكريا بولدٍ، لأنَّ زوجتَهُ كانت عاقرًا لا تلدُ. وكانت حماتُهُ حِنَّةُ قد شاخَتْ، وبينَما هيَ جالسةٌ ذاتَ يومٍ في ظِلِّ شَجَرةٍ إلى جانبِ زوجِها عِمْرانَ، رأتْ طيرًا يُطْعِمُ فرخَهُ، فبكَتْ شوقًا منها إلى ولدٍ، وذكرَتْ ذلكَ لزوجِها فقالَ: "قومِي بنا لِنُصَلِّيَ وندعوَ اللهَ في ذلكَ"، فقاما وصلّيا ودعَوَا اللهَ تعالى أن يرزقَهُما ولدًا، فرأى عِمْرانُ في منامهِ أنَّ اللهَ قد استجابَ دعاءَهُ ودعاءَ زوجتِهِ حِنَّةَ، وتحقَّقَ لهما ما أرادا فحمَلتْ منهُ، وألهمَها اللهُ تعالى فقالَتْ: "لَئِنْ نجَّانيَ اللهُ ووضعْتُ ما في بطنِي لَأَجْعَلَنَّهُ مُحَرَّرًا" أي خالِصًا لخدمةِ المسجدِ مُتَفَرِّغًا لعبادةِ اللهِ. فلمَّا نَذَرَتْ قالَ لها عِمْرانُ: ماذا صَنعتِ، أرأيتِ إن كانتْ أنثى؟ فاغتمَّا لذلكَ. وبعدَ عدةِ أشهرٍ ماتَ عِمْرانُ فبقِيَتْ زوجتُهُ تنتظرُ مولودَها وحيدَةً.

وكانَ المحرَّرُ يُجْعَلُ في المسجدِ يقومُ بخدمتِهِ مِنْ كَنْسٍ وإسراجٍ ونحوِهما حتى يبلغَ، ثم يخيَّرُ بينَ البقاءِ والذهابِ، فإنْ أبَى البقاءَ وأرادَ أن يذهبَ ذهبَ، وإن اختارَ البقاءَ فليسَ له بعدَ ذلك خِيَارٌ، ولم يكن نبيٌّ في بني إسرائيلَ إلا ومِنْ نسلِهِ محرَّرٌ في بيتِ المقدسِ، وهذا التحريرُ لم يكنْ إلا في الغِلمَانِ، أما الأنثى فكانت لا تصلُحُ لذلك لِما يصيبُها من الحيضِ والأذَى.

لَما وضعتْ حِنَّةُ مَنْ في بطنِها وهي تتوقَّعُهُ ذكرًا فوجِئتْ فقالتْ: "ربِّ إني وضعتُها أنثى"، وكانت ترجو أن تلدَ ذكرًا يصلُحُ لخدمةِ بيتِ المقدسِ، وخاطبتْ ربَّها بذلكَ على سبيلِ الاعتذارِ ثم خاطبتْ نفسَها وقالت: "واللهُ أعلمُ بما وَضَعَتُ، فلعلَّ في هذه الأنثى خيرًا بإذنِ اللهِ"، فسلَّتِ الأمُّ بذلك نفسَها وخفَّفَتْ مِنْ حَسْرَتِها وخيبةِ رجائِها، وسمَّتْ وليدَتها "مريمَ" ومعناهُ بلغتِهِمُ العابدةُ، وقد أرادتْ بهذه التسميةِ التفاؤلَ لها بالخيرِ والتضرُّعَ إليهِ بأن يكونَ فعلُ ابنتِها مطابقًا لاسمِها.

ثم قالتْ تدعُو ربَّها: "وإني أُعيذُها بكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشيطانِ الرجيمِ"، فدعتْ لابنتِها ولمن يأتي منها بأن يعيذَها اللهُ مِنَ الشيطانِ.

فتقبَّلَها ربُّها بقَبُولٍ حسنٍ ورَضيَ بها في النذرِ مكانَ الذّكرِ، والظاهرُ أن سيدَنا زكريا أخبرَها بهذا، ولم تُقبَلْ أنثى قبلَ مريمَ في ذلك، وأنبتَها نباتًا حسنًا فسوَّى خلقَها، وكانتْ أجملَ النساءِ بزمانِها وأكملَهُنَّ، تنبُتُ في اليومِ ما ينبُتُ المولودُ في عامٍ واحدٍ.

اللهم إنا نسأَلُكَ العافيةَ في الدنيا والآخِرَةِ