سلسلة هل تعلم؟  قصص وحكايات  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 مَلَكَ الدنيا الشرقَ والغربَ 








 مَلَكَ الدنيا الشرقَ والغربَ - إعداد الشيخ محمد الأخرس


لقد ءاتى اللهُ سليمانَ عليهِ السلامُ مُلْكًا عَظِيمًالم يُؤْتِهِ أَحدًا مِنْ قبلِهِ ولنْ يُعْطيَهُ لأحدٍ مِنْ بعدِهِ إلى يومِ القيامةِ فقد استجابَ اللهُ تعالى لدعوةِ سليمانَ “رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي” “سورة ص/٢٥” .

كانَ لهُ عندَ اللهِ جاهٌ عظيمٌ، اللهُ تعالى أعطاهُ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحدٍ من بَعْدِه، كانَ سليمانُ عليهِ السلامُ مَلكَ الدنيا الشرقَ والغربَ. كانَ نبيُّ اللهِ سليمانُ في عصرِهِ خَضَعَتْ لَهُ الدنيا، ما كان في الدنيا مَلِكٌ يُقاوِمُهُ ويتمرَّدُ عليهِ. اللهُ تعالى أعطاهُ قوةً وأعطاهُ النبوةَ وأعطاهُ الـمُلكَ، وجعلَ لَهُ تـمكينًا في الأرضِ. هذه القوةُ التي أعطاهُ اللهُ إياها هذا الـمُلكُ العظيمُ الذي أعطاهُ اللهُ إياهُ ما شَغَلَهُ عن طاعةِ اللهِ.

كما أَنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ أكرمَهُ بِنِعَمٍ كثيرةٍ وخَصَّهُ بِـمَزايَا رائعةٍ كانتْ عُنْوانًا لِلْعَظَمَةِ والـمجْدِ ومَظْهَرًا ِمنْ مظاهِرِ الـمُلْكِ العظيمِ والجاهِ الكبيرِ والدَّرَجَةِ العاليةِ عندَ اللهِ سبْحانَهُ. فقد سَخَّرَ اللهُ لَهُ أمرًا لم يُسَخِّرْهُ لأحدٍ مِنْ قبلِهِ ولا بعدِهِ، سَخَّرَ اللهُ لهُ الجنَّ، حتى الشياطينُ غلبَهم. كانَ يأمرُهم يُكَلِّفُهم بأعمالٍ شاقةٍ ومَنْ لم يُطِعْهُ اللهُ تعالى يُنْزِلُ بِهِ عذابًا في الدنيا، مع كونِهم كفارًا كانوا يُطِيعُونَهُ فلذلكَ كانتِ الشياطينُ العفاريتُ التي تطيرُ في الدقيقةِ مِنَ المشرقِ إلى المغربِ تُطيعُ سليمانَ. إذا أحدٌ منهم خالفَ أمرَهُ يُحَطِّمُهُ اللهُ تعالى، ينزِلُ اللهُ عليهِ عذابًا فيتحطَّمُ، اللهُ يُهْلِكُهُ في الحالِ، فكانَ لديهِ عليهِ السلامُ القدرةُ على حبسِ الجنِّ الذينَ لا يُطيعُونَ أمرَهُ وتقييدِهِم بالسلاسلِ.

ومن يعصِ سليمانَ يُعذبْهُ اللهُ تعالى لذلك كانوا يستجيبونَ لأوامرِهِ. كانتِ الجنُّ تغوصُ لَهُ في أعماقِ البحارِ وتستخرجُ لَهُ الجواهرَ والّلآلئَ مِنْ قعورِ البحارِ، ويُقَطِّعُونَ لَهُ الصخورَ الكبارَ للبناءِ ويبنونَ لَهُ مبانيَ فخمةً. وكانت مدينةُ تدمرَ في بَرِّ الشامِ مستقرَّ مُلكِ سيدِنا سليمانَ عليهِ السلامُ وقد بناها لَهُ الجنُّ كما قِيلَ مِنَ الحجارةِ الضخمةِ العريضةِ والأعمدةِ العاليةِ والرخامِ الأَبيضِ والأَصفرِ.

كما سخَّرَ اللهُ تعالى لنبِيّهِ سُليمانَ عليهِ السّلامُ الرّيحَ فكانَت تَنْقُلُهُ وجيشَهُ إلى أيِّ أطرافِ الدّنيا شاءَ. بسَاطُ الرِيحِ يحمِلُهُ صباحًا إلى مسافةِ شهرٍ ثمّ بعدَ الظُّهْرِ يَرُدُّهُ، فقد كان لهذا البساطِ سرعةُ انتقالٍ كبيرةٌ جدًا. كان لديهِ بساطٌ خشبيٌّ ضخمٌ جدًّا وكانَ يأمرُ الجيشَ بأن يركبَ على هذا الخشبِ ويحملَ كُلَّ ما يحتاجُ ويأمرُ الريحَ بأن ترفعَ البِساطَ وتنقلَهُم للمكانِ المطلوبِ فتضعَهُ في أيِّ مكانٍ شاءَ بإذنِ اللهِ تعالى.

ومن نِعَمِ اللهِ تعالى على سُليمانَ عليهِ السّلامُ أنَّ جنودَهُ كانوا مِن الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ، وكان سليمانُ عليهِ السّلامُ قَدْ نَظَّمَ لهمْ أعمالَهُم ورَتَّبَ لهُمْ شئونَهُمْ، فكانَ إذا خَرَجَ خَرَجُوا مَعَهُ في موكِبٍ حافِلٍ مَهِيبٍ يُحيطُ بهِ الجُنْدُ والخَدَمُ مِنْ كلِّ جانِبٍ؛ فالإنْسُ والجِنُّ يسيرونَ معَهُ سامِعِينَ مُطِيعينَ، والطَيْرُ بأنواعِها تُظِلُّهُ بأَجْنِحَتِها مِنَ الحَرِّ وغيرِهِ، وهذا كُلُّهُ مِنْ فَضْلِ اللهِ على عبْدِهِ ونَبِيّهِ سُلَيْمانَ عليهِ السلامُ الذي كانَ عبْدًا مُطيعًا زاهدًا، طعامُهُ خُبْزُ الشعيرِ، أَوَّابًا داعِيًا إلى عبادةِ اللهِ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وكانَ مِنْ عبادِ اللهِ الشاكرينَ فهوَ القائِلُ للفَلَّاحِ الذي نَظَرَ إليهِ وهوَ على بِساطِ الرّيحِ وقالَ: «إنَّ اللهَ أعْطى ءالَ داودَ مُلْكًا عَظيمًا» فرجَعَ إليهِ وقالَ لهُ: «لَتَسْبيحةٌ واحدةٌ يَقْبَلُها اللهُ منكَ خيرٌ لكَ مِنَ الدُّنْيا وما فيها» .

كذلك أعطاهُ اللهُ عزَّ وجَلَّ عِلْمًا بالقَضاءِ وتسبيحِ الجبالِ، وَقَدْ علَّمَهُ اللهُ تبارَكَ وتعالى مَنْطِقَ الطَيْرِ ولُغَتَهُ وسائِرَ لُغاتِ الحيواناتِ، فكانَ يَفهَمُ عنْها ما لا يَفْهَمُهُ سائِرُ النَّاسِ.

وكانَ لَهُ ألفُ بيتٍ مِنْ زجاجٍ، وكانَ يذبَحُ كلَّ يومٍ مائةَ ألفِ شاةٍ وثلاثينَ ألفَ بقرةٍ ليُطعِمَ الناسَ، أما لنفسِهِ كانَ يأكلُ خبزَ الشعيرِ باللبنِ الحامضِ. وغيرُ هذا ممّا أنعَمَ اللهُ بهِ عليهِ.

هذا سليمانُ عليهِ السلامُ الذي أعطاهُ اللهُ هذا الملكَ كانَ يأكلُ خبزَ الشعيرِ زُهدًا وإيثارًا للآخرةِ، إيثارًا لِما عندَ اللهِ. وهكذا أنبياءُ اللهِ وأولياءُ اللهِ مَعَ استطاعتِهم أن يأكلوا لذائذَ الطعامِ.

اللهُ تباركَ وتعالى يُحبُّ لعبادِهِ أن يتركوا التنعمَ لكنْ هؤلاءِ الأنبياءُ والأولياءُ يتركونَ التنعمَ مِنْ غيرِ أن يـُحَرِّمُوهُ، لأنَّ في ذلكَ حكمةً، وهو أنَّ الذي لا يُعَوِّدُ نفسَهُ التنعمَ يظَلُّ قلبُهُ مُشْغفًا على الفقيرِ، شاعرًا في حاجاتِ الـمحتاجينَ والفقراءِ. أما الذي يَسترسِلُ في الـملذاتِ والتنعمِ فينسى.

اللهُمَّ اجعلِ الحياةَ زِيادةً لنا مِن كلِّ خَير، واجعلِ الموتَ راحَةً لنا من كلِّ شرّ إنكَ أنتَ الغفورُ الرّحيم.