سلسلة هل تعلم؟  قصص وحكايات  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 كانَ من عبادِ اللهِ الشاكرينَ مع ما أعطاهُ اللهُ عز وجل من نعمٍ كثيرةٍ 








 كانَ من عبادِ اللهِ الشاكرينَ مع ما أعطاهُ اللهُ عز وجل من نعمٍ كثيرةٍ


كان سليمانُ عليه السلامُ، نبيًا من أنبياءِ اللهِ، ومع ذلك كان ملكًا من ملوكِ الأرضِ في زمانِهِ، وفوقَ كلّ هذا فقد مَنَّ اللهُ عليهِ، وعَلَّمَهُ لغةَ الحيوانِ والطيرِ، فكانَ يفهمُ ما تتخاطبُ به هذه الحيواناتُ والطيورُ ...

يقول الله تعالى”وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ١٥”. في هذه الآيةِ اعترافُ داودَ وسليمانَ عليهما الصلاةُ والسلامُ بنعمةِ اللهِ عليهما بالعلمِ النافعِ، ونسبتُهُم الفضلَ إلى اللهِ تعالى. وفي بيانِ هذا الفضلِ: “وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَىءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ١٦”. هذا هو التواضعُ للهِ، ها هو سليمانُ الذي عَلَّمَهُ اللهُ منطقَ الطيرِ فضلًا عن أَلسُنِ الخلقِ، وفهم كلماتِ النملِ، وآتاهُ اللهٌ من كلّ شىءٍ يَرُدُ الفضلَ لصاحبِ الفضلِ جل وعلا، ويعترفُ بنعمةِ اللهِ عليهِ، وفضلِهِ لديهِ.

يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: “وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ١٧” - “سورة النمل” يُخبرنا اللهُ تبارك وتعالى عن عبدِهِ ونبيِهِ سليمانَ عليهِ السلامُ أنه رَكِبَ يومًا في جيشِهِ المؤلفِ من الجنّ والإنسِ والطيرِ “حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ١٨” “سورة النمل”.

فهذهِ النملةُ تَكَلَّمَتْ بصوتٍ أَمَرَتْ فيهِ أُمَّةَ النملِ في ذلكَ الوادِي أنْ يدخلُوا مساكنَهُم حذرًا من أن يَـحْطِمَهُم سليمانُ عليهِ السلامُ وجنودُهُ أثناءَ سَيرِهِم واعتذَرَتْ عن سليمانَ وجنودِهِ بعدمِ الشعورِ، وقد أَلْـهَمَ اللهُ عز وجل تلك النملةَ معرفةَ نبيهِ سليمانَ عليه السلام كما أَلْـهَمَ النملَ كثيرًا من مصالِـحِهَا، فمن ذلك أنها عندما تَـجِدُ حبوبًا رطبة تَـحملُهَا وتُـجَفّـِفُهَا في الهواءِ الطَلقِ وتحتَ أشعةِ الشمسِ ثم تقومُ بعد ذلك بتدخيرِهَا في مساكنِهَا تحتَ الأرضِ.

ومن ذلكَ أنها تكسر كلَّ حبةٍ تدخرُهَا قطعتَينِ لئلا تنبتَ، إلا الكزبرةَ فإنَّـها تَكسِرُهَا أربعَ قطعٍ لئلا تَنْبُتَ، لأنَّ الكزبرةَ تنبتُ إذا كسرَتْ قِطعتَينِ ولا تَنْبُتُ إذا كُسِرَتْ أربعَ قِطَعٍ، فسبحانَ مَنْ أَلْـهَمَهَا هذا، وسبحانَ الخالقِ الحكيمِ.

والمقصودُ أنَّ سليمانَ عليه الصلاةُ والسلامُ سَـمِعَ كلامَ النملةِ وفَهِمَ ما خاطبَتْ به تلك النملةُ أُمَّةَ النملِ وما أَمَرَتْ بهِ وحَذَّرَتْ،”فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا” وتبسَّمَ من قولِـهَا على وجهِ الفرحِ والسرورِ بـما أطلعَهُ الله عزَّ وجلَّ عليهِ من كلامِ النملةِ دونَ غيرِهِ، ولهذا قالَ متضرعًا إلى خالقِهِ: “ربِّ أوزِعني” أي أَلْـهِمْنِـي “أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ “ “سورة النمل/١٩” فطَلَبَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ من ربِهِ وخالقِهِ أن يُقيضَهُ للشكرِ على ما أنعمَ بهِ عليه وعلى والديهِ، وعلى ما خصَّهُ به من نِعَمٍ دونَ غيرِهِ من الناسِ وأن يُيَسِّر له العملَ الصالِحَ، وأن يحشرَهُ إذا توفاه مع عبادِهِ الصالحينَ، وقد استجابَ اللهُ تعالى دعاءَ عبدِهِ سليمانَ بنِ داودَ عليهِمَا السلامُ فكان من عبادِ اللهِ الشاكرينَ مع ما أعطاه اللهُ عز وجل من نِعَمٍ كثيرةٍ ومُلكًا لا ينبغِي لأحدٍ من بعدِهِ.