سلسلة هل تعلم؟  قصص وحكايات  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 ربِّ ابنِ لي بيتًا 








 ربِّ ابنِ لي بيتًا - إعداد الشيخ محمد الأخرس


أناسٌ ممن كانوا قبلَ أمةِ محمدٍ عرفوا قدرَ الآخِرَةِ فهانَتْ عليهم نفوسُهم، فصبروا وثبتوا ورأَوُا الكراماتِ عندَ الموتِ، ومنهم سيّدَتُنَا ءاسيةُ بنتُ مزاحِمٍ رضيَ اللهُ عنها امرأةُ فرعونَ. كانت أغنى امرأةٍ في مصرَ، كانت تقيةً صالحةً تبعثُ بالمالِ لِمصالحِ المسلمينَ تُـجاهدُ بِـمالـِها ليكونَ ذاكَ عونًا للمسلمينَ على نشرِ دينِ اللهِ.

فرعونُ هو الذي كانَ يقولُ عن نفسِهِ إنَّهُ ربُّ الناسِ ربُّ الخلقِ ربُّ العبادِ، كان يقولُ للناسِ: “أنا ربُّكُمُ الأَعْلَى٢٤” “سورة النازعات”. كانَ أهلُ بلدِهِ يعبدونَهُ وءاسيةُ زوجتُهُ ما كانت تعبدُهُ، هي مؤمنةٌ مسلمةٌ لكن في ذلكَ الزمنِ كان حلالًا أن تكونَ الـمسلمةُ تـحتَ غيرِ مسلمٍ.

كانت ءاسيةُ تكتمُ إيمانَها تُـخفي إيمانَـها وفرعونُ ما كان يعرفُ أنَّـها مسلمةٌ مؤمنةٌ لا تعبدُهُ، ثم في الأخيرِ عرَفَ أنـها لا تُؤمنُ بِهِ وأنـها تعبدُ اللهَ ولا تعبدُهُ. لَما عرفَ ذلكَ صارَ يُعذِّبُـها.

ذاتَ يومٍ دخلَ عليها فرعونُ وأخبرَها بقتلِ الماشطةِ وأولادِها فقامَتْ ءاسيةُ وقالَت لهُ: "الويلُ لك ما أجرأكَ على اللهِ". فقالَ: "لعلكِ اعتراكِ الجنونُ الذي اعترى الماشطةَ ". فقالت له: "ما بي جنونٌ ولكني ءامنتُ باللهِ تعالى ربِّ العالمينَ" عَرَفَ أنها مسلمةٌ، عرفَ أنَّها مؤمنةٌ. فأقسمَ فرعونُ أن تذوقَ الموتَ أو تكفرَ بإلهِ موسى، فقالت لهُ: "أما أن أكفرَ باللهِ فلا واللهِ".
فأمرَ فرعونُ بتعذيبِها، فمَدَّ بينَ يدَيْها أربعةَ أوتادٍ أي نصَبَ أربعةَ أوتادٍ في الأرضِ. وضعَ لها الأوتادَ الحديديةَ فكانت يدُها اليُمنى في وتدٍ واليُسرى في وتدٍ وكذلكَ رجلَاها بالأوتادِ الحديديةِ، وكان يعذبُها ويضربُها تحتَ حرارةِ الشمسِ القويةِ، ولكنها دعَتْ وطلبَتْ منْ أحكمِ الحاكمِينَ من ربِّ العالمينَ مِنَ اللهِ تعالى أن يُخَلِّصَها مِنْ فرعونَ وعملِهِ: “رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ”“سورة التحريم/١١”. ومعنى “عندَكَ” أي في المكانِ المشرَّفِ عندَكَ، المكانِ الذي أنتَ شرّفتَهُ وهو الجنةُ ليسَ معناهُ أن يبنيَ اللهُ لها بيتًا في مكانٍ قريبٍ منهُ بالمسافةِ مُـجاورٍ له بالمسافةِ. هي لا تعتقدُ أنَّ اللهَ جسمٌ لهُ مكانٌ بل تعتقدُ أنَّ اللهَ موجودٌ ليسَ جسمًا، منـزهٌ عن المكانِ والجهةِ ومع هذا قالَتْ: “عندَكَ” على معنى أنَّ البيتَ الذي تَبنيهِ في مكانٍ مشرَّفٍ في مكانٍ شرّفتَهُ وهو الجنةُ.

كشفَ اللهُ عن بصرِها، فرأتْ بيتَها في الجنةِ، رأَتْ قصرَها في الجنةِ وهي في الأرضِ، وصارَتْ تنـزِلُ عليها الملائكةُ - ملائكةُ الرحمةِ - وتُظِلُّها من حرارةِ الشمسِ.

عُذِّبَتْ حتى ماتَتْ هنيئًا لِمن يبني لآخرتِهِ، ويصبرُ على الثباتِ على الإيمانِ وعلى طاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ.

الأنبياءُ عليهمُ السلامُ هم أفضلُ البشرِ، والأولياءُ مِنَ البشرِ هُم بعدَ الأنبياءِ أفضلُ الناسِ إنْ كانَ رجلًا وإنْ كانَ امرأةً. كانَتْ مريمُ مِنَ الولياتِ وهِيَ خيرُ امرأةٍ على الإطلاقِ أفضلُ امرأةٍ عندَ اللهِ تعالى على الإطلاقِ. بعدَها بالفضلِ عندَ اللهِ فاطمةُ بنتُ محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم خديجةُ بنتُ خويلدٍ زوجةُ سيدِنا محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم بعدَ ذلكَ بالفضلِ ءاسيةُ امرأةُ فرعونَ.

روى الحافظُ ابنُ عبدِ البرِّ أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:"خيرُ النساءِ مريمُ بنتُ عمرانَ ثم فاطمةُ بنتُ محمدٍ ثم خديجةُ بنتُ خويلدٍ ثم ءاسيةُ بنتُ مُزاحِمٍ". ورواهُ الإمامُ أحمدُ في المسندِ والطبرانيُّ في الكبيرِ. هؤلاءِ الأربعةُ مِنَ النساءِ هُنَّ أفضلُ النساءِ على الإطلاقِ، لا يأتي مَنْ هي أفضلُ منهن عندَ اللهِ.

اللهُمَّ أصلِح لنا دينَنا الذي هُوَ عِصمَةُ أمرِنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا ءاخرتنا التي فيها مَعادُنا، واجعلِ الحياةَ زِيادةً لنا مِن كلِّ خَير، واجعلِ الموتَ راحَةً لنا من كلِّ شرّ، إنكَ أنتَ الغفورُ الرّحيم.