سلسلة هل تعلم؟  قصص وحكايات  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 اللهُ لا يُخيِّبُ القاصدينَ بِحقٍّ 








 اللهُ لا يُخيِّبُ القاصدينَ بِحقٍّ - إعداد الشيخ محمد الأخرس


الدعاءُ وهو السؤالُ أمرٌ عظيمٌ، ولهُ منـزلةٌ عاليةٌ في العبادةِ. الدعاءُ مفتاحُ الحاجةِ وملجأُ المضطرينَ ومتنفَّسُ ذوي المآربِ. وفي الدعاءِ إلى اللهِ دليلٌ على أنَّ مِنَ الكُرَبِ العظيمةِ ما لا يَفرجُها مالٌ ولا جاهٌ ولا سلطنةٌ ولا طِبٌّ وإنما يَفرجُها صحيحُ الافتقارِ والتوجهِ والالتجاءِ إلى من بيدِهِ النفعُ والضرُّ.

وأما رفعُ الأيدي فمستحبٌّ بالإجماعِ؛ لأنَّ السماءَ قبلةُ الدعاءِ ومهبطُ الرحماتِ والبركاتِ. رفعُ اليدينِ، مدُّ اليدينِ معناهُ استنـزالُ الرحمةِ واللهُ لا يُخيبُ القاصدينَ بحقٍّ. الرسولُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في بعضِ المراتِ لَما كان يدعو كان يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ إلى أسفلَ، وفي أكثرِ المراتِ كانَ يجعلُ كفَّيهِ إلى جهةِ السماءِ؛ لأنَّ السماءَ قبلةُ الدعاءِ كما أنَّ الكعبةَ قِبلةُ الصلاةِ أي تنـزِلُ علينا البركةُ والرحمةُ منها. لذلكَ مطلوبٌ رفعُ الرأسِ إلى السماءِ عندَ الدعاءِ في غيرِ الصلاةِ؛ لأنَّ هذا يكونُ تعرُّضًا للرحماتِ والبركاتِ التي تنـزلُ مِنَ السماءِ. هذا المطرُ مِنْ أينَ يأتي؟ مِنَ السماءِ يأتي المطرُ، هو غذاؤُنا، النباتُ ينبُتُ بالمطرِ والغذاءِ. قالَ تعالى:”وفي السماءِ رِزقُكُم وما تُوعدونَ٢٢” “سورة الذاريات”.

فهذا الداعي الذي دعا اللهَ تعالى وكان مادًّا يدَيهِ إلى السماءِ ليَستنْزلَ الرحماتِ مِنَ اللهِ تعالى فإذا مسحَ بعدَ إنهاءِ الدعاءِ باليدَينِ وجهَهُ معنى ذلكَ أنَّ هذهِ اليدَ نزلَتْ عليها رحماتٌ وبمسحِهِ وجهَهُ بهما أصابَتْ هذهِ الرحماتُ وجهَهُ.

وفي التشهدِ كانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحنِي إصبعَهُ إلى أسفلَ، كُلُّ هذا كانَ يفعلُهُ الرسولُ لِيُفْهِمَنَا أنَّ اللهَ موجودٌ لا كالموجوداتِ. ويدلُّ على ذلكَ أيضًا قولُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ مِنْ طريقِ أبي هُريرةَ: "أَقربُ ما يكونُ العبدُ مِنْ ربِّهِ وهو ساجدٌ فأكثروا الدعاءَ"رواهُ مسلمٌ. فلو كانَ اللهُ عزَّ وجلَّ في جهةِ فوقٍ ما نهانا الرسولُ عَن رفعِ رؤوسِنا في الصلاةِ إلى جهةِ فوقٍ.

كذلكَ يُؤخذُ مِنَ الحديثِ أنْ لو كانَ اللهُ في السماءِ لكانَ القائمُ أقربَ إلى اللهِ، فهذا الحديثُ دليلٌ على أنَّ القُربَ المسافيَّ والبُعدَ المسافيَّ لا يجوزُ على اللهِ. لا يُقالُ قريبٌ بالمسافةِ ولا بَعيدٌ بالمسافةِ لأنَّ القُربَ المسافيَّ مِنْ صفاتِ الخلقِ. اللهُ تعالى موجودٌ قبلَ الزمانِ والمكانِ، لذلكَ لا يجوزُ اعتقادُ أنَّ الزمانَ يجري عليهِ أو أنَّهُ يَحُلُّ بالمكانِ. التغيُّرُ من صفاتِ الخلقِ، اللهُ لا يتغيرُ لا يتحولُ من صفةٍ إلى صفةٍ.

ورفعُ الإصبعِ إلى السماءِ عندَ ذكرِ اللهِ ليسَ حرامًا، المؤمنُ المنـزِّهُ لا يَقْصِدُ بهِ إلا أنَّ اللهَ أعلمُ مِنْ كلِّ شىءٍ وأقدرُ مِنْ كُلِّ شىءٍ، يَفهَمُ مِنْ هذا الرفعِ رِفعةَ الدرجةِ ليسَ رفعةَ المسافةِ.

وفي حديثٍ ءاخرَ رواهُ مسلمٌ أيضًا : "إذا كانَ أحدُكم في صلاتِه فإنَّهُ يُناجِي ربَّهُ فلا يَبْصُقَنَّ في قبلتِه ولا عن يَمِينِه فإنَّ ربَّهُ بينَه وبينَ قبلتِه". مناجاةُ اللهِ معناهُ الإقبالُ على اللهِ بدعائِه وتمجيدِه، المعنى أن المصليَ تجرَّدَ لمخاطبةِ ربِّهِ، انقطعَ عن مخاطبةِ الناسِ لمخاطبةِ اللهِ، فليسَ من الأدبِ مع اللهِ أن يَبْصُقَ أمامَ وجهِه، وليسَ معناهُ أن اللهَ هو بذاتِه تِلقاءَ وجهِه.

وأما قولُه عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "فإنَّ ربَّهُ بينَهُ وبينَ قِبلتِه" أي رحمةَ ربِّهِ أمامَهُ، أي الرحمةَ الخاصةَ التي تَنْزِلُ على المصلينَ.

اللهُمَّ اجْعَلْنَا هُداةً مهديينَ وثَبِّتنا على الحقّ يا ربَّ العالمينَ.