سلسلة هل تعلم؟  قصص وحكايات  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 








 رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ - إعداد الشيخ محمد الأخرس


لَما قتلَ موسى عليهِ السلامُ ذلكَ القِبطِيَّ الذي هُوَ مِنْ أَتباعِ فرعونَ قبلَ أنْ ينـزلَ عليهِ الوحيُ بالنبوةِ، أصبحَ عليهِ السلامُ في المدينةِ التي دَخلَها خائفًا على نفسِهِ مِنْ فرعونَ وأتباعِهِ ويترقَّبُ وينتظرُ سُوءًا يَنالُهُ منهم إذا عَلِمُوا أنَّ هذا القتيلَ إنما قتلَهُ موسى عليهِ السلامُ في نُصرةِ رجلٍ مِنْ بني إسرائيلَ فتقوى بذلكَ ظُنُونُهم أنَّ مُوسى منهم ويترتَّبُ على ذلكَ أمرٌ عَظيمٌ.

ولم يكُنْ أحدٌ مِنَ الناسِ قد رأى موسى عليهِ السلامُ يقتلُ القِبطِيَّ إلا ذاكَ الرجلَ الإسرائيليَّ. وكانَ الأقباطُ أتباعُ فرعونَ قد أتَوْا فرعونَ وقد غاظَهُم وأَغضَبهم قَتْلُ واحدٍ منهم، وطَلبوا منهُ أنْ يأخذَ لهم بثأرِهِم مِنْ بني إسرائيلَ وقالوا لَهُ: إنَّ بني إسرائيلَ قتلُوا رَجُلًا مِنَّا فَخُذْ لنَا بِحَقِّنَا، فقالَ لهم فرعونُ: ائتُوني بقاتلِهِ وَمَنْ يَشُدُّ عليهِ لآخُذَ لكم حَقَّكُم.

فبينَما هُم يَطُوفُونَ يَبحثُونَ عَنِ القاتلِ ويتَلَمَّسُونَ الأَخبارَ إذْ وقعَتْ حادثةٌ أخرى بينَ ذاكَ الإسرائيليِّ وأحدِ الأقباطِ في اليومِ الثاني وإذا موسى عليهِ السلامُ يمرُّ فرأى ذاكَ الإسرائيليَّ يُقاتلُ قِبطيًّا فِرعَونيًّا ءاخرَ فاستغاثَهُ هذا الإسرائيليُّ على خَصْمِهِ الفِرعَوْنيِّ، فتقدَّمَ مُوسى عليهِ السلامُ غَاضِبًا وهو يُريدُ أنْ يَبْطِشَ بذلكَ الفرعونيِّ القِبطيِّ، ولكن لَمّا رأى هذا الإسرائيليُّ غَضَبَ مُوسى عليهِ السلامُ ورأى ءاثارَ الغَضَبِ على وجهِهِ وسَمِعَهُ يقولُ مُعَنِّفًا لَهُ على كَثرةِ مُخاصَمَتِهِ: “إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ” “سورة القصص/١٨” ورءاهُ وقد هَمَّ أنْ يَبْطِشَ بهذا الفِرعونيِّ فظَنَّ أنَّهُ يُريدُهُ فخافَ على نفسِهِ فقالَ لموسى عليهِ السلامُ حينئِذٍ: يا مُوسى أَتريدُ أنْ تَقْتُلَنِي كما قَتلتَ نَفسًا بالأمسِ، فسَمِعَ الفِرعونيُّ هذا الكلامَ وانطلقَ وذهبَ مسرعًا إلى فِرعونَ وجماعتِهِ وأخبَرَهُم أنَّ مُوسى هُوَ الذي قَتَلَ ذاكَ الرجلَ القِبْطِيَّ.

فما كانَ مِنْ فرعونَ لَما سَمِعَ هذا الخبرَ إلا أنْ أمرَ جُنْدَهُ أن يبْحَثُوا عَنْ مُوسى ويأتُوهُ بِهِ ليقتلَهُ، حتى لا يَتَجَرَّأَ أَحدٌ مِنْ بني إِسرائيلَ على قَتْلِ أَحدٍ مِنْ أتباعِهِ الأَقباطِ. وكانَ رجلٌ مؤمنٌ مِنْ ءالِ فِرعونَ يَكْتُمُ إيمانَهُ قد عَلِمَ بأمرِ فرعونَ بالإتيانِ بمُوسى ليقتُلَهُ فما كانَ منهُ إلا أنْ سَبَقَهُم إلى مُوسى عليهِ السلامُ مِنْ طريقٍ أقربَ وأَخبرَهُ بالخبَرِ وبـمؤامرةِ فرعونَ وجُندِهِ، وطلبَ منهُ ناصِحًا مُشْفِقًا عليهِ أنْ يَخْرُجَ مِنْ مِصرَ خوفًا عليهِ مِنْ فرعونَ وجُنودِهِ. وقَبِلَ مُوسى عليهِ السلامُ نَصِيحَتَهُ وخرجَ مِنْ مصرَ إلى أَرضِ "مَدْيَنَ" ودَعا ربَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ الطريقَ إليها وأنْ يُنْجِيَهُ مِنْ شَرِّ فِرعونَ.

خرجَ سيدُنا موسى عليهِ السلامُ مِنْ أَرضِ مِصرَ يُريدُ النجاةَ مِنْ كيدِ فرعونَ وجنودِهِ، ولم يكن خروجُهُ جُبنًا لأنَّ الأَنبياءِ يَستحيلُ عليهِمُ الجُبنُ، وتَوَجَّهَ عليهِ السلامُ إلى مَدْيَنَ ماشِيًا على قَدَمَيْهِ بغيرِ زادٍ ولا دابةٍ يركَبُها فكانَ يأكلُ وَرَقَ الشَّجَرِ، ومَدْيَنُ هي المدينةُ التي أَهلكَ اللهُ تعالى فيها قَومَ نَبِيّـِهِ شُعَيبٍ، وبَقِيَ يـمشِي مسِيرةَ ثمانيةِ أيامٍ حتى وَصَلَ إلى مَدْيَنَ وقد أَثَّرَ بِهِ الجوعُ والتعَبُ، فجلسَ تحتَ ظِلِّ شَجرةٍ فأبصَرَ امرأتَينِ وكانتا أختَينِ تَرْعَيانِ الأَغنامَ وتُرِيدانِ سَقْيَ أغنامِهِما مِنْ بئرٍ كبيرةٍ. كانَ الرعاةُ يَسْقُونَ مَواشِيَهُم منها وكانت هاتانِ الأُختانِ تحبسانِ غنَمَهُما لِئلا يَختَلِطَ بغنمِ الآخرينَ، فأَشْفَقَ مُوسى عليهِ السلامُ عليهِما فسألَهما عَنْ سببِ تَعَهُّدِهما لرعايةِ الغنمِ بأنفسِهما، فأَخبرتاهُ بأنَّ أباهما شيخٌ كبيرٌ وليسَ عندَهُ مِنَ الأولادِ الذكورِ مَنْ يَرعَى لهُ هذهِ الأغنامَ.

وكانَ مُوسى عليهِ السلامُ لَمَّا وردَ ماءَ مَدينَ وهو البئرُ وجدَ عليهِ جماعةً مِنَ الرُّعاةِ يَسْقُونَ أَغنَامَهم منهُ فلمَّا فَرَغُوا أَعادُوا صخرةً كبيرةً عليهِ، وكانَت هذهِ الصَّخْرةُ لا يُطِيقُ رَفْعَهَا إلا عشرةُ رجالٍ، فلمَّا حدَّثَتْ هاتانِ الأُختانِ خبرَهما لِموسى عليهِ السلامُ تقدَّمَ نحوَ الصخرةِ الكبيرةِ الموضوعةِ على فَمِ البئرِ فرفعَها وحدَهُ ثم استقى منها الماءَ وسَقَى لهاتَينِ الفتاتَينِ غَنَمَهُما ورَدَّ الحجرَ مكانَهُ، فلما فرغَ مِنْ ذلكَ انصرفَ إلى ظِلِّ شجرةٍ وجلسَ تحتَها يدعُو اللهَ تعالى ويَشْكُرُهُ.

بعدَ أن سقى موسى عليهِ السلامُ غنمَ المرأتَينِ رَجَعَتَا إلى أَبِيهِما نَبِيّ اللهِ شُعَيْبٍ عليهِ السلامُ مُسْرِعَتَينِ وأَخْبَرَتاهُ بخبرِ مُوسى عليهِ السلامُ، وكَيفَ سَقَى لهما غَنَمَهُما وأَخْبَرَتاهُ بقُوَّتِهِ، وطلبَتَا مِنْهُ أَنْ يُكْرِمَهُ على هذا الصَّنِيعِ الحَسَنِ مَعَهُما، فسُرَّ شُعَيبٌ عليهِ السلامُ لحُسْنِ صَنِيعِ مُوسى وبَعَثَ إحدى ابْنَتَيهِ هاتَينِ لِدَعْوَتِهِ إليهِ، فجاءَتْ إلى موسى عليهِ السلامُ تمشِي على استحياءٍ وَوَقارٍ وَحِشْمَةٍ وطَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يَذْهَبَ مَعَها إلى أَبِيها لِيَجْزِيَهُ على عَظِيمِ صُنْعِهِ مَعَها ومَعَ أُخْتِها وعلى سَقْيِهِ غَنَمَهُما، فقامَ معَها موسى عليهِ السلامُ وقالَ لها: امشِي خلفِي وانعَتِـي لِـيَ الطريقَ فإني أَكْرَهُ أَنْ تُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فتَصِفَ جَسَدَكِ، فَمَشَتْ خَلْفَهُ تَصِفُ لهُ الطريقَ حتى وَصَلَ إلى أَبِيها شُعيبٍ عليهِ السلامُ.

فلمَّا جاءَهُ أَخبَرَهُ بأمْرِهِ مِنْ حينِ وُلِدَ والسببِ الذي أخرجَهُ مِنْ أَرضِ مِصْرَ، فلمَّا سَمِعَ نَبِيُّ اللهِ شُعيبٌ خبرَ مُوسى عليهِ السلامُ طَمْأَنَهُ قائلا لَهُ: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القومِ الظالمينَ، لأنَّهُ لا سلطانَ لفرعونَ وجُنْدِهِ في أَرضِ مَدْيَنَ. يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: “فجاءَتْهُ إحداهُما تمشِي على استحياءٍ قالتْ إنَّ أبي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لنا فلمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عليهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القومِ الظالمينَ٢٥” “سورة القصص”.

اللهم أنت القوي ونحن الضعفاء فارحم ضعفنا