سلسلة هل تعلم؟  قصص وحكايات  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 توبوا إلى اللهِ 








 توبوا إلى اللهِ - إعداد الشيخ محمد الأخرس


حذَّرَ نبيُّ اللهِ يونسُ بنُ متى عليهِ السلامُ أهلَ نينوى مِنَ العذابِ إن لم يؤمنوا بِهِ ويَتَّبِعُوا دينَ الإسلامِ، ثم خرجَ مُغاضِبًا لهم لإصرارِهم على كُفْرِهم وعدمِ اتِّباعِهِم دعوتَهُ.

ولَمّا خرجَ عليهِ السلامُ وهو ءايسٌ منهم تَغَشَّاهُمْ صباحًا العذابُ وصارَ قريبًا جدًّا منهم. وقيلَ: ظَهَرَتِ السُّحُبُ السوداءُ في السماءِ وثارَ الدخانُ الكثيفُ وهَبَطَتِ السُّحُبُ بدُخَانِها حتى غَشِيَتْ مدينَتَهُم واسْوَدَّتْ سُطُوحُهُم. ولَمّا أيقَنُوا بالهلاكِ والعذابِ أنَّهُ واقعٌ بهِم طلبوا يونسَ عليهِ السلامُ فلم يَجِدُوهُ، وأَلَهمَهُمُ اللهُ التوبةَ والإنابةَ فأَخلصوا النيةَ في ذلكَ وقَصَدُوا شيخًا وقالوا لَهُ: قد نزلَ بنا ما ترى فماذا نفعلُ؟ فقالَ لهم: ءامِنُوا باللهِ وتُوبُوا، عندَ ذلكَ ءامَنُوا باللهِ وبرسولِهِ يونسَ عليهِ السلامُ. وكانوا خَرَجُوا مِنَ القريةِ ولَبِسُوا الـمُسوحَ وهي ثِيابٌ مِنَ الشعرِ الغليظِ، وحَثَوْا على رُءوسِهِمُ الرمادَ، وفرَّقُوا بينَ كُلِّ والدةٍ وولدِها مِنَ الناسِ والأنعامِ.
ثم عَجُّوا ورَفَعُوا أصواتَهم في الدعاءِ إلى اللهِ وتَضَرَّعُوا وبكى النساءُ والرجالُ والبنونَ والبناتُ وجأَرَتْ وصاحَتِ الأَنعامُ والدوابُّ، وكانت ساعةً عظيمةً هائلةً وعَجُّوا إلى اللهِ بالتوبةِ الصادقةِ ورَدُّوا المظالمَ جميعًا حتى إنَّهُ كانَ أحدُهم ليقلَعُ الحجرَ مِنْ بنائِهِ فيردُّهُ إلى صاحبِهِ. فاستجابَ اللهُ منهم وكشفَ عنهُمْ بقدرتِهِ ورحمتِهِ العذابَ الشديدَ الذي كانَ قد دارَ على رءوسِهِم وصارَ قريبًا جدًّا منهم كَقِطَعِ الليلِ المظلمِ. ويُقالُ إنَّ توبَتَهُم في يومِ عاشوراءَ يومَ الجمعةِ، يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: “فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ءامَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ٩٨ “ “سورة يونس”.

فائدة: روى أحمدُ في مسندِهِ والحاكمُ في المستدركِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: "جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْلُو عَلَيَّ هَذِهِ الآيَةَ “وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا٢” “سورة الطلاق” حَتَّى فَرَغَ مِنْ الآيَةِ ثُمَّ قَالَ " يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَخَذُوا بِهَا لَكَفَتْهُم قَالَ: فَجَعَلَ يَتْلُو بِهَا وَيُرَدِّدُهَا ".

والتقوى معناها أداءُ الواجباتِ كلِّها واجتنابُ المحرماتِ كلِّها وقد جاءَ عن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما أَنَّهُ قالَ: "ومَنْ يَتَّقِ اللهَ يُنْجِهِ في الدنيا والآخِرَةِ، “وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ““سورة الطلاق/٣” " أي من حيثُ لا يدري. فالتقوى سببٌ للفرجِ مِنَ الكُرُباتِ في الدنيا والآخِرَةِ، وسببٌ للرزقِ ولنيلِ الدرجاتِ العُلى، أما المعاصي فهي سببٌ للحرمانِ في الدنيا وفي الآخِرَةِ، فقد روى الحاكمُ وابنُ حبانَ وغيرُهما عن رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قالَ:"إنَّ الرجلَ لَيُحْرَمُ الرّزْقَ بالذنبِ يُصِيبُهُ". فيُحْرَمُ مِنْ نِعَمٍ في الدنيا مِنْ نحوِ صحةٍ ومالٍ أو تُمْحَقُ البركةُ مِنْ مالِهِ أو يستولي عليهِ أعداؤُهُ، وقد يُذْنِبُ الذنبَ فتسقطُ مَنْزِلَتُهُ مِنَ القلوبِ أو ينسى العلمَ.

فلا تَتْرُكْ واجبًا مهما كانَ ولا تأتِ معصيةً مهما كانَتْ صغيرةً أو كبيرةً ولا تـخشَ في ذلكَ تغيُّرَ الزمانِ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَتُبْ عَلَينا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ