سلسلة هل تعلم؟  قصص وحكايات  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 لا إلٰهَ إلا أنتَ سُبحانكَ إنّي كنتُ مِنَ الظالمينَ 








 لا إلٰهَ إلا أنتَ سُبحانكَ إنّي كنتُ مِنَ الظالمينَ - إعداد الشيخ محمد الأخرس


لَما وعدَ يونسُ بنُ متّى قومَهُ بالعذابِ بعدَ ثلاثةِ أيامٍ إنْ لم يُؤمنوا وخرجَ مِنْ بينِهم مُغاضِبًا لهم بسببِ كُفرِهِم وإصرارِهم وتمادِيهم في غَيِّهِم وضلالِهم سارَ حتى وصلَ إلى شاطئِ البحرِ فوجَدَ قومًا في سفينةٍ في البحرِ، فطلبَ مِنْ أهلِها أن يُرْكِبُوهُ معَهم فتوسَّمُوا فيهِ خيرًا فأركبوهُ معهم في السفينةِ، وسارَتْ بهمُ السفينةُ تشقُّ عُبابَ البحرِ فلمّا توسَّطُوا البحرَ جاءَتِ الرياحُ الشديدةُ وهاجَ البحرُ بهم واضطربَ بشدةٍ حتى وَجِلَتِ القلوبُ
فقالَ مَنْ في السفينةِ: إنَّ فينا صاحبَ ذنبٍ فأسْهَمُوا واقترَعُوا فيما بينَهم على أنَّ مَنْ يقعُ عليهِ السهمُ يُلقُونَهُ في البحرِ، فلمّا اقترعوا وقعَ السهمُ على نبيِّ اللهِ يونسَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ.

ولكن لَما توسَّمُوا فيهِ خيرًا لم يسمحوا لأنفسِهم أن يُلقُوهُ في البحرِ، فأعادوا القرعةَ ثانيةً فوقعَتْ عليهِ أيضًا. فشمَّرَ يونسُ عليهِ السلامُ ليُلقيَ بنفسِهِ في البحرِ فأَبَوْا عليهِ ذلكَ لِما عرفوا منهُ خيرًا، ثم أعادوا القرعةَ ثالثةً فوقعَتِ القرعةُ عليهِ أيضًا.

فما كانَ مِنْ يونسَ عليهِ السلامُ إلا أن أَلقَى بنفسِه في البحرِ لأنَّهُ كانَ يَعتقدُ أنَّهُ لا يُصِيبُهُ هلاكٌ بالغرقِ فلا يجوزُ أن يُظَنَّ أنَّ ذلكَ انتحارٌ منهُ؛ لأنَّ الانتحارَ أكبرُ الجرائمِ بعدَ الكفرِ وذلكَ مُستحيلٌ على الأنبياءِ. وعلى هذا يُحْمَلُ ما وردَ في البخاريِّ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حينَ فَترَ الوحيُ عنهُ في أوائلِ البعثةِ هَمَّ أنْ يُلقِيَ بنفسِهِ مِنْ ذِروةِ الجبلِ ولم يكُنْ همُّهُ بذلكَ إلا لتخفيفِ شدةِ الوجدِ الذي حصلَ لهُ مِنْ إبطاءِ الوحْيِ عليهِ لا للانتحارِ، فإنَّهُ حصلَ لكثيرٍ مِنَ الأولياءِ أنَّهم مَشَوْا على الماءِ ولم يَغْرَقُوا، فمَنْ حمَلَ ما وردَ في البُخاريِّ من هذهِ القصةِ أنَّ الرسولَ أرادَ أنْ ينتحِرَ فقد خرج من الإيمان.

وعندَما ألقى يُونسُ عليهِ السلامُ بنفسِهِ في البحرِ وكَّلَ اللهُ تباركَ وتعالى بِهِ حوتًا كبيرًا فالتقمَهُ وابتلعَهُ ابتلاءً لَهُ على تركِهِ قومَهُ الذينَ أغضبوهُ دونَ إذنٍ، فدخلَ نبيُّ اللهِ يُونسُ عليهِ السلامُ إلى جوفِ الحوتِ تحفُّهُ عنايةُ اللهِ حتى صارَ وهو في بطنِ الحوتِ في ظلماتٍ حالكةٍ ومُدْلَـهِمَّةٍ ثلاثٍ وهي ظلمةُ الليلِ وظلمةُ البحرِ وظلمةُ بطنِ الحوتِ.

ثم إنَّ الحوتَ بقدرةِ اللهِ تعالى لم يَضُرَّ يونسَ ولم يَجْرَحْهُ ولم يَخْدِشْ له لحمًا ولم يكسِرْ لَهُ عظمًا، وسارَ الحوتُ وفي جوفِهِ يُونسُ عليهِ السلامِ يشُقُّ بِهِ عُبابَ البحرِ حتى انتهى بِهِ إلى أعماقِ المياهِ في البحرِ، وهناكَ سَمِعَ يُونسُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ وهو في بطنِ الحوتِ حِسًّا وأصواتًا غريبةً فقالَ في نفسِهِ: ما هذا؟ فأَوحى اللهُ إليهِ وهو في بطنِ الحوتِ: إنَّ هذا تسبيحُ دوابِّ البحرِ، فما كانَ من نبيِّ اللهِ يُونسَ عليهِ السلامُ وهو في بطنِ الحوتِ وفي تلكَ الظُلُماتِ الـمُدْلَـهِمَّةِ إلا أن أخذَ يدعُو اللهَ عزَّ وجلَّ ويستغفرُهُ ويُسَبِّحُهُ تباركَ وتعالى قائلًا ما وردَ عنهُ في القرءانِ: “وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِله إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ٨٧” “سورة الأنبياء” وسمعَتْ ملائكةُ السماءِ تسبيحَهُ للهِ عزَّ وجلَّ وسألوا اللهَ تعالى أن يُفرِّجَ الضيقَ عنهُ، واستجابَ اللهُ تعالى دعاءَهُ ونجَّاهُ مِنَ الغَمِّ والكَربِ والضيقِ الذي وقعَ فيهِ؛ لأنَّهُ كانَ مِنَ الـمُسبّحِينَ لَهُ في بطنِ الحوتِ والذاكِرينَ، وأمرَ اللهُ تعالى الحوتَ أنْ يُلْقِيَهُ في البرِّ فألقاهُ الحوتُ بالعَراءِ وهو المكانُ القَفْرُ الذي ليسَ فيهِ أشجارٌ والأرضُ التي لا يُتوارى فيهِا بشجرٍ ولا بغيرِهِ، ويونسُ عليهِ السلامُ مريضٌ ضعيفٌ. وقد مكثَ نبيُّ اللهِ يونسُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في بطنِ الحوتِ ثلاثةَ أيامٍ، وقيلَ: سبعةَ أيامٍ، وقيلَ: غيرُ ذلكَ.

ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقنا عذابَ النارِ