سلسلة هل تعلم؟  قصص وحكايات  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 ونَجَّيْناهُ وأهلَهُ مِنَ الكرْبِ العَظيمِ 








 ونَجَّيْناهُ وأهلَهُ مِنَ الكرْبِ العَظيمِ - إعداد الشيخ محمد الأخرس


لَبِثَ سيدُنا نوحٌ في قومِهِ يَدْعُوهُم إلى الإسلامِ أَلفَ سنةٍ إلا خَمسينَ عامًا قالَ ﷲ تعالى: “فَلَبِثَ فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عامًا” “سورة العنكبوت/١٤”، وكانَ قومُهُ يُؤْذُونَهُ ويَضْرِبُونَهُ ويَسُبُّونَهُ حتى يُغشى عَليهِ، حتى تَمادَوْا في معصيتِهم وعَظُمَتْ مِنهُمُ الخطِيئةُ فلا يأتي قَرنٌ إلا كانَ أخبثَ مِنَ الذي كانَ قبلَهُ، حتى إنْ كانَ الآخِرُ ليقولُ: قد كانَ هذا مع ءابائِنا وأَجْدادِنا مـجنونًا لا يَقْبَلُونَ منهُ شيئًا.

ومِنْ جُـملةِ ما قالَ لهم: “وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ ﷲ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ” “سورة هود/٣٤” أي أنَّ اللهَ هُوَ الذي يهدِي مَنْ يشاءُ ويُضِلُّ مَنْ يَشاءُ، ولكنَّ اليأسَ لَـم يدخُلْ قلبَ نوحٍ بل أخذَ يُكَرِّرُ عليهِم ويقولُ لهم: "اعبُدُوا اللهَ وحدَهُ واتركُوا هذهِ الأَوثانَ" ويَبْسُطُ لهمُ البراهِينَ، ولم يُؤْمِنْ بِهِ إلا جماعةٌ قليلةٌ استجابوا لدَعْوَتِهِ وصَدَّقُوا برسالتِهِ.

ثم إنَّ اللهَ أَوحى إليهِ أنَّهُ لنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلا مَنْ قَدْ ءَامَنَ قالَ تعالى: “وأُوحيَ إلى نوحٍ أنَّهُ لن يُؤمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلا مَنْ قَدْ ءَامَنَ” “سورة هود/٣٦”، فلمَّا يَئِسَ مِنْ إيمانِـهِم دعا عَلَيْهِم فقالَ: “رَبِّ لا تَذَرْ على الأَرْضِ مِنَ الكافرينَ دَيَّارًا٢٦ إنَّكَ إنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلا فاجِرًا كَفَّارًا٢٧” “سورة نوح “ قالَها بعدَ أنْ أُوحِيَ إليهِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ معَهُ إلا مَنْ قد ءامَنَ. فلمّا شَكَا إلى اللهِ واستَنْصَرَهُ علَيهِم أَوحى اللهُ إليهِ: “واصنَعِ الفُلْكَ بأعيُنِنا وَوَحْيِنا”“ سورة هود/٣٧” أَيِ اعْمَلِ السفينةَ بأَعْينِنا أي بعِلْمِنا وبـما أَوْحَيْنا إِلَيكَ مِنْ كَيفِيَّةِ صَنْعَتِها “ولا تُخاطِبني في الذينَ ظَلَمُوا إنَّهُم مُغرَقُونَ” “سورة هود/٣٧” أي لا تَطْلُبْ إِمْهالَـهُم فقد حانَ وقتُ الانتقامِ منهم فإنَّهُ مـحكومٌ منَّا علَيهِم بالغَرقِ، أي في الوقتِ الـمضروبِ لذلكَ فلا يَتَأَخَّرُ إغراقُهم عنهُ.

قالَ تعالى: “ولقد نادانا نوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبونَ ٧٥”“سورة الصافات” أي لَهُ وأَهلَكْنا الكافرينَ مِنْ قَومِهِ “ونَجَّيْناهُ وأهلَهُ مِنَ الكرْبِ العَظِيمِ٧٦”“سورة الصافات” أي عذابِ الغَرَقِ بالطُّوفانِ.

فأقبلَ نوحٌ على عملِ الفُلكِ وجَعَلَ يُهَيِّئ السفينةَ وكان قومُهُ لا يَعرفُونَ الفُلكَ قبلَ ذلكَ، وجعلَ قومُهُ يَـمُرُّونَ بِهِ وهُوَ في عملِهِ فيَسْخَرُونَ منهُ ويقولونَ: يا نوحُ صِرتَ نـجارًا بعدَ النبوةِ!

ويُقالُ إنَّ نوحًا جعلَ الفُلكَ ثلاثَ طبقاتٍ: سفلى ووسطى وعُلْيا، السفلى للدوابِّ والوحوشِ، والوسطى للناسِ، والعليا للطيورِ، حتى إذا فرغَ منهُ وقد عَهِدَ اللهُ إليهِ “حتى إذا جاءَ أمرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلنا احْمِلْ فيها مِن كُلِّ زوْجَينِ اثنينِ وأهلَكَ إلا مَن سَبَقَ عليهِ القولُ ومَنْ ءامَنَ وما ءامَنَ معهُ إلا قليلٌ ٠٤”“سورة هود”.
وقد جعلَ التنورَ ءايةً وكانَ تنورًا من حجارةٍ كانت لـحواءَ، وأخبرَتْهُ زوجتُهُ بفورانِ الماءِ مِنَ التنورِ، ولَمَّا فارَ التنُّورُ حـملَ نوحٌ مَنْ أمرَ اللهُ بـحملِهِ وكانوا نـحوَ ثـمانِينَ. وكانَ فيها نوحٌ وثلاثةٌ مِنْ بنيهِ سامٌ وحامٌ ويافِثُ وأزواجُهُم وتـخلَّفَ عنهُ ابنُهُ كنعانُ وكانَ غيرَ مؤمنٍ. وقالَ تعالى: “وقالَ اركَبُوا فيها بسمِ اللهِ مَجراها ومُرساها إنَّ ربي لغفورٌ رحيمٌ٤١” “سورة هود”.

ثـم لَمّا اطمأنَّ نوحٌ في الفُلكِ، وأدخلَ فيهِ مَنْ أُمِرَ بِهِ جاءَ الماءُ كمَا قالَ تعالى:”فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ١١”“سورة القمر” أي مُنْصَبٍ انصبابًا شديدًا “وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا” أي تنْبُعُ نَبْعًا “فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ١٢ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ١٣”“سورة القمر” والدُّسُرُ: المساميرُ. وقولُهُ تعالى:”تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا” “سورة القمر/١٤” أي بحفظِنا وحِرَاسَتِنا.

وجعلتِ الفُلكُ تـجري بهم في موجٍ كالجبالِ قالَ اللهُ تعالى: “وهِيَ تجري بهم في موجٍ كالجبالِ” “سورة هود/٤٢”، وذلكَ أنَّ اللهَ تعالى أرسلَ مِنَ السماءِ مَطرًا لَـم تَعْهَدْهُ الأرضُ قبلَهُ، القطرةُ كالجبلِ. المطرُ غطَّى كُلَّ جبالِ الدنيا. وأمرَ الأرضَ أن تُخْرِجَ ماءَها، فنبعَتْ مِنْ جميعِ فِجاجِها فأخرجَتِ الماءَ وقد عَمَّ جميعَ الأرضِ سهلَها وحَزنَها وجبالَها وقِفارَها، فلم يَبْقَ على وجهِ الأَرضِ أحدٌ ممن عَبَدَ غيرَ اللهِ عزَّ وجلَّ، قالَ اللهُ تعالى: “ فكَذَّبوهُ فأنْجَيْناهُ والذينَ معَهُ في الفُلكِ وأغرَقْنا الذينَ كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قومًا عَمِينَ٥٦”“سورة الأعراف”.

وطافَتِ السفينةُ بالأرضِ كُلِّها، صارَتْ تدورُ بِـهم ستةَ أشهرٍ وزيادةً لا تَسْتَقِرُّ حتى ذهبَتْ بـهم إزاءَ الكعبةِ وإلى منًى وإلى عرفاتٍ. ثم بعدَ أنْ هلكَ غيرُ المؤمنينَ فلم يبق منهم كبيرٌ ولا صغيرٌ، وبعدَ أنْ أَمرَ اللهُ الأرضَ أن تبتلعَ ماءَها، وأمرَ السماءَ أن ترفعَ ماءَها. ذهبَتِ السفينةُ في الأرضِ تسيرُ بـهم حتى انتهَتْ إلى جبلِ الجوديِّ وهو بأرضِ الـمَوْصِلِ فاستقرَتْ عليهِ. قالَ تعالى: “وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ٤٤” “سورة هود”. ثم لَمَّا غاضَ الماءُ أي نَقَصَ عمَّا كانَ وأمكنَ السَّعْيُ فيها والاستقرارُ عليها هبطَ نوحٌ ومَنْ معَهُ مِنَ السفينةِ التي استقرَّتَ بعدَ سيرِها على ظَهْرِ الجودِيِّ قالَ اللهُ تعالى: “قيلَ يا نوحُ اهبِطْ بسلامٍ مِنَّا وبركاتٍ عليكَ وعلى أُمَمٍ مِمَّن معكَ وأممٌ سنُمَتِّعُهُم ثمَّ يَمَسُّهُم مِنَّا عذابٌ أليمٌ٤٨” “سورة هود”.
اللهمَّ إنّا نسأَلُكَ العفْوَ والعافِيَةَ في الدُّنيا والآخرةِ