سلسلة هل تعلم؟  هل تعلم؟ - الموسم الثاني  :  فضيلة الشيخ الدكتور محمد الأخرس
 هل تعلم أن الْمُؤمِن يُهَذِّبُ نفسَهُ قبلَ أَن يَشتَغِلَ بالتَّنقِيبِ عَن عُيُوبِ غَيرِهِ؟ 








 هل تعلم أن الْمُؤمِن يُهَذِّبُ نفسَهُ قبلَ أَن يَشتَغِلَ بالتَّنقِيبِ عَن عُيُوبِ غَيرِهِ؟ - إعداد الشيخ محمد الأخرس


مما نهى اللهُ تعالى ورسولُهُ عنه التجسسَ على عورات الناس أي التطلع على عوراتهم والتتبع لها. قال تعالى: {ولا تجسسوا} سورة الحجرات /12. ويقول حبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه:" لا تَجسَّسُوا ولا تَنافَسُوا ولا تحاسَدُوا ولا تَدابَروا وكونُوا عبادَ الله إخوانًا" رواه الشيخان. فمعنى الآية لا يبحث أحدُكم عن عيب أخيه ليَطلعَ عليه إذ سترَه الله.

فمن الناس مَنْ يتجسس على عورات الناس، يبحثُ عن عيوب الناس وعوراتهم، يُفتشُ عن مساوئ الناس، يفتش عما لا يريدُ الناس الاطلاع عليه، يريدُ أن يعرف عنهم القبيح من القولِ أو الفعل فيسأل عنه الناس، أو يبحث عنه بنفسه من دون سؤال. ولقد روى الحاكم في مستدركه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى عورةً فسترها كان كمن أحيا موؤدةً في قبرها" والعورة ما يعابُ عليه ويستحي منه أن يطلع عليه الناس. فهذا الحديث يُخبرنا بأن من رأى عورةً أي لمسلم فسترها أي لم يبثها بين الناس بل أخفاها فله أجرٌ شبيهٌ بأجر من أحيا موؤدةً أي أنقذَ بنتًا مولودةً دُفِنت وهي حيّة كما كان جاهلية العرب يفعلون.الرسول صلى الله عليه وسلم شبَّه هذا الذي يرى عورة فسترها بأجر هذا الإنسان الذي رأى موؤدة فأنقذها قبل أن تموت.

وقد حصل في زمان سيدنا عمر رضي الله عنه قصةٌ فيها دليل على مشروعية الستر على المسلم وهي "أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له: يا أمير المؤمنين إني كنتُ وأدتُ بنتًا لي في الجاهلية ـ أي قبل أن أُسلِم ـ ثم أخرجتها قبل أن تموت ثم أدركنا الإسلام فأسلمَتْ ونحن أسلمنا ثم ارتكبتْ حدًّا من حدود الله ـ أي زنت قبل أن تتزوج ـ فأخذت شفرةً لتذبح نفسها ـ أي من عِظَمِ ما وقعت فيه من الفضيحة ـ فأدركناها وقد قطعت بعض أوداجها ـ أي بعض عروق العنق من الجانبين ـ فداويناها ثم تابت توبة حسنة ثم خُطبت إلينا من قوم فأخبرتُ ببعض ما جرى لها حتى يُقدموا على إتمام خطبتها أو يَفسخوا ويتركوها ـ وهو على زعمه فعل ذلك لئلا يغشهم وظنّ بنفسه أنه بذلك ينصحهم ـ فقال له سيدنا عمر رضي الله عنه أنت تبُثُّ ما ستره الله لئن أخبرتَ بذلك أحدًا لأجعلنّك نكالاً يتحدثُ به أهل الامصار". معناه لئن عُدتَ بعد هذا إلى إفشاء هذه العورة التي سبقت لابنتك وقد تابت منها توبة نصوحًا فتحدثْتَ بها لأجعلنك عبرة للناس بعقوبة أنزلها بكَ يتحدثُ بها أهل المدن.

فيؤخذ من هذه القصة حُكمان شرعيان: أحدهما أنّ الإنسان بعد أن يتوب لا يجوز ذكرهُ بالعار والعيب الذي سبقَ له، والآخر أن هذه البنت لو لم تكن تابت كان حقًا على أبيها إذا خُطبت إليه أي جاء مَنْ يخطبها منه حقًّا عليه أن يتكلم فيها وإن سكت هو وغيره ممَن عَلِمَ بالحادثة يكونون غاشين والعياذ بالله تعالى.

طُوبَى لِمَن شَغَلَهُ عَيبُهُ عَن عُيوبِ النَّاسِ. الْمُؤمِنُ يُهَذِّبُ نفسَهُ قبلَ أَن يَشتَغِلَ بالتَّنقِيبِ عَن عُيُوبِ غَيرِهِ.

اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض يا رب العالمين وسبحان الله والحمد لله رب العالمين.